شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٩٠
استدل على ثبوتها و مغايرتها للحس المشترك بوجهين:
الأول: أن لصور المحسوسات قبولا عندنا و حفظا، و هما فعلان مختلفان، فلا بدّ لهما من مبدأين متغايرين، لما تقرر من أن الواحد لا يكون مصدرا لأثرين، و مبدأ القبول هو الحس المشترك، فمبدأ الحفظ هو الخيال، و إنما احتيج إلى الحفظ لئلا يختل نظام العالم، فإنا إذا أبصرنا الشيء ثانيا، فلو لم يعرف أنه هو المبصر أولا لما حصل التمييز بين النافع و الضار.
و اعترض بأن الحفظ مسبوق بالقبول و مشروط به ضرورة. فقد اجتمعا في قوة واحدة سميتموها الخيال، و بأن الحس المشترك مبدأ الإدراكات مختلفة هي أنواع الإحساسات، و بأن النفس تقبل الصور العقلية، و تتصرف في البدن، فبطل قولكم الواحد لا يكون مبدأ لأثرين.
و أجيب: بأن الخيال لا بدّ أن يكون في محل جسماني، فيجوز أن يكون قبوله لأجل المادة، و حفظه لقوة الخيال، كالأرض تقبل الشكل بمادتها، و تحفظه بصورتها و كيفيتها. أعني اليبوسة، و بأن مبدئية الحس المشترك للإدراكات المختلفة، إنما هي لاختلاف الجهات، أعني طرق التأدية من الحواس الظاهرة، و كذا إدراكات النفس و تصرفاتها من جهة قواها المختلفة، و لا يخفى أن هذا الجواب يدفع أصل الاستدلال لجواز أن لا تكون إلا قوة واحدة، لها القبول و الحفظ بحسب اختلاف الجهات، و كذا الجواب بأن القبول و الإدراك من قبيل الانفعال دون الفعل. فاجتماع القبول و الحفظ و أنواع الإدراكات في شيء واحد، لا يقدح في قولنا الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد.
الثاني: أن الصور الحاضرة في الحس المشترك قد تزول بالكلية، بحيث يحتاج إلى إحساس جديد و هو النسيان، و قد تزول لا بالكلية، بل بحيث تحضر بأدنى التفات. و هو الذهول [١]، فلولا أنها مخزونة حينئذ في قوة أخرى يستحضرها
[١] ذهلت عن الشيء أذهل ذهلا: نسيته و غفلت عنه، و أذهلت عنه كذا، و فيه لغة أخرى: ذهلت بالكسر ذهولا.
قال اللحياني: يقال: جاء بعد ذهل من الليل، و دهل أي بعد هذه.