شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٤٨
يعني الدم و البلغم و الصفراء [١] و السوداء، و ذلك بحكم الاستقراء، فإن الحيوان سواء كان صحيحا أو مريضا، يجد دمه مخالطا لشيء كالرغوة و هو الصفراء، أو لشيء كالرسوب و هو السوداء، أو لشيء كبياض البيض و هو البلغم، و ما هذه الثلاثة فهو الدم، و قد يقال: إن الكيلوس إذا انطبخ، فإن كان معتدلا فالدم، و إن كان قاصرا فالبلغم و السوداء، و إن كان مفرطا فالصفراء. و أيضا فإن الأخلاط تتكون من الأغذية المركبة من الأسطقسات الأربعة، فبحسب غلبة قوة واحد واحد منها يوجد خلط خلط. و أيضا الغذاء شبيه بالمغتذي، و إن في البدن عضوا باردا يابسا كالعظم، و باردا رطبا كالدماغ، و حارا رطبا كالكبد، و حارا يابسا كالقلب، فيجب أن تكون الأخلاط كذلك ليغتذي كل عضو بما يناسبه، هذا و الحق أن الغاذي بالحقيقة هو الدم، و باقي الأخلاط كالأبازير المصلحة، و لهذا كان أفضل الأخلاط، و أعدلها مزاجا و قواما، و ألذها طعما، و فسروا الخلط بأنه جسم رطب سيال، يستحيل إليه الغذاء أولا، و احترز بالرطب، أي سهل القبول للتشكل عند عدم مانع من خارج، عن مثل العظم و الغضروف، و بالسيال أي ما من شأنه أن ينبسط أجزاء متسفلة بالطبع، حيث لا مانع عن مثل اللحم و الشحم، إن قلنا بكونهما رطبيين، و المراد بالاستحالة التغير في الجوهر بحرارة البدن، و تصرف الغاذية بقرينة التعدية بإلى [٢].
إذ يقال في العرف، استحال الماء إلى الهواء، و قلما يقال. استحال الماء الحار إلى الباردة، بل باردا، و به احترز عن الكيلوس الذي يستحيل إليه الغذاء أولا في كيفيته، و المراد بالغذاء ما هو المتعارف من مثل اللحم و الخبز، و سائر ما
[١] مادة الصفراء التي تفرزها المرارة، و مرض الصفراء أيضا، و الصفراء: القوس، و الصفراء نبت، و الصفرية بالضم: صنف من الخوارج نسبوا إلى زياد بن الأصفر رئيسهم، بكسر الصاد و الصفار بالضم: اجتماع الماء الاصفر في البطن، يعالج بقطع النائط، و هو عرق في الصلب قال الراجز:
قضب الطبيب نائط المصفور و قبله: و بجّ كلّ عاند نعور و الصفر: فيما تزعم العرب: حية في البطن تعض الإنسان إذا جاع و اللذع الذي يجده عند الجوع من عضه قال أعشى باهلة يرثي أخاه
لا يتأرّى لما في القدر يرقبه و لا يعض على شرسوفه الصفر و في الحديث: لا صفر و لا هامة.
[٢] في (ب) التغذية بدلا من (التعدية)