شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٨٤
بالتقريب، و أما الكرية بحسب الحقيقة، فيقدح فيها أقل من ذلك، لأنها لا تقبل الشدة و الضعف، لأن معناها أن تكون جميع الخطوط الخارجة من المركز إلى المحيط متساوية بحسب التحقيق لا بمجرد التقريب.
[قال (و الذي تقتضيه قواعدهم إحاطة الماء بجميع الأرض) و لم يذكروا لانكشاف البعض شيئا يعول عليه سوى العناية الإلهية، فإن أرادوا ظاهرها، فقد اهتدوا، لكنهم يفسرونها بالعلم بالنظام على الوجه الأكمل].
لأن الأرض ثقيل مطلق [١]، و الماء ثقيل مضاف بمعنى أن حيزه الطبيعي أن يكون فوق الأرض، و تحت الهواء، و السبب في انكشاف الربع المسكون، قيل هو انجذاب أكثر المياه إلى ناحية الجنوب لكونها أحر لقرب الشمس منها، و بعدها عن ناحية الشمال، لكون حضيض الشمس في البروج الجنوبية، و أوجها في الشمالية، و كونها في القرب أشد شعاعا من كونها في البعد، و كون الحرارة اللازمة من الشعاع الأشد أقوى و أحد من الحرارة اللازمة من الشعاع الأضعف. و لا خفاء في أن من شأن الحرارة جذب الرطوبات كما يشاهد في السراج و على هذا تنتقل العمارة من الشمال إلى الجنوب و بالعكس بسبب انتقال الأوج من أحدهما إلى الأخر، و تكون العمارة دائما حيث أوج الشمس لئلا يجتمع في الصيف قرب الشمس من سمت الرأس، و قربها من الأرض فتبلغ الحرارة إلى النكاية و الإحراق، و لا البعدان في الشتاء فيبلغ البرد إلى حد النكاية و التفجيج. و قيل: السبب كثرة الوهاد و الأغوار [٢] في ناحية الشمال، باتفاق من الأسباب الخارجة فتنحدر المياه
[١] المطلق: مقابل للمقيد، تقول: أطلق الرجل المواشي سرحها، و أطلق الأسير، خلي سبيله، و اطلق في كلامه، لم يقيده، فالمطلق إذن في اللغة هو المتعري من كل قيد.
و المطلق في علم ما وراء الطبيعة: اسم للشيء الذي لا يتوقف تصوره أو وجوده على شيء آخر غيره، لأنه علة وجود نفسه، و لذلك قيل ان الموجود المطلق هو الموجود في ذاته و بذاته، و هو الضروري الذي لا يلحقه التغير، و البريء من جميع انحاء النقص.
[٢] غور كل شيء قعره، يقال فلان بعيد الغور، و الغور أيضا المطمئن من الأرض. و الغور تهامة، و ما يلي اليمن، و ماء غور اي غائر وصف بالمصدر كدرهم ضرب، و ماء سكب و غار اتى الغور فهو غائر، و بابه قال، و لا يقال أغار، و زعم الفراء أن أغار لغة.