شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٧٨
ينقلب إلى ما يجاوره، فتقع ثلاثة ازدواجات. أحدها بين النار و الهواء، و الثاني بين الهواء و الماء، و الثالث بين الماء و الأرض، و إلى غير المجاور بواسطة واحدة، فيقع ازدواجان. أحدهما بين النار و الماء، و الثاني بين الهواء و الأرض، أو بواسطتين، فيقع ازدواج واحد هو بين النار و الأرض، و يشتمل كل ازدواج على نوعين من الكون و الفساد، أعني انقلاب هذا إلى ذلك. و بالعكس. فالأنواع الأولية ستة. و التي بوسط أربعة، و بوسطين اثنان، فالجميع اثنا عشر حاصلة من ضرب كل من الأربعة في الثلاثة الباقية، و يشهد بوقوع الكل الحس و التجربة، و لم يقع الاشتباه إلا في انقلاب الهواء ماء.
فقد قيل: إن ركوب القطرات على الإناء المبرد بالجمد، يجوز أن يكون للرشح أو لانجذاب الأبخرة إليه على ما قال أبو البركات. أن في الهواء المطيف بالإناء أجزاء لطيفة مائية، لكنها لصغرها و جذب حرارة الهواء إياها لم تتمكن من خرق الهواء و النزول على الإناء، فلما زالت سخونتها لمجاورة الإناء المبرد بالجمد كثفت، و ثقلت فنزلت، و اجتمعت على الإناء. و ردّ الأول. بأنه لو كان للرشح لكان الماء الحار أولى بذلك لكونه ألطف، و لما كان الندى [١] إلا في مواضع الرشح، على أن الرشح إنما يتوهم في الإناء المملوء بالجمد دون المكبوب عليه.
و الثاني. بأنه لا يتصور بقاء هذا القدر من الأجزاء المائية في الهواء الحار الصيفي، بل لا بد من أن يتبخر و يتصعد.
و لو سلّم فينبغي أن ينفد أو ينقص بالنزول، فلا تعود قطرات الإناء بعد إزالتها، و لو ادعى أنها نزلت من مسافة أبعد لزم أن تكون في زمان أطول، و الوجود بخلافه على أن النزول إنما يكون على خط مستقيم فكيف يقع على جوانب الإناء.
[١] الندى: المطر و البلل و جمعه أنداء، و قد جمع على أندية و هو شاذ لأنه جمع الممدود كأكسية، و ندى الأرض (نداوتها) و بللها و أرض ندية على فعلة بكسر العين و لا تقل ندية، و قيل الندى:
ندى النهار، و السدى: ندى الليل، و ندى الشيء ابتل فهو ند و بابه: صدى و ندوّة أيضا نقله الأزهري.