شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٧٤
زعما منهم أنها دخان غليظ، يشتعل بالوصول إلى كرة النار ضعيف لجواز أن يكون لها سبب، غير ذلك، سيما على القواعد الإسلامية، و أن يكون ما يشاهد من الشعل و النيران هواء اشتدت حرارته لا عنصرا برأسه.
الثاني: يبوسة النار بمعنى عسر قبول التشكلات و تركها. فإن الطريق إلى أمثال ذلك هو التجربة و المشاهدة، و لا مجال لهما في النار الصرفة المحيطة بالهواء على زعمهم، و أما المخلوطة التي على وجه الأرض فظاهر أنها بخلاف ذلك، و الاستدلال بأن شأن الحرارة إفناء الرطوبات، و النار الصرفة في غاية الحرارة، فيلزم أن تكون في غاية اليبوسة ضعيف، لأن إفناءها للرطوبة الطبيعية المفسرة بسهولة قبول التشكيلات، و تركها غير مسلم، بل إنما تعنى البلة و الأجزاء المائية و ما هو كذلك، لا يلزم أن يكون يابسا في نفسه كما في الهواء الصرف.
الثالث: حرارة الهواء فإنه لا دليل على إثباتها في الهواء الصرف، عن انعكاس الأشعة، ألا ترى أنه كلما كان أرفع من الأرض كان أبرد إلى أن يصير زمهريرا. و ما يقال إن ذلك بسبب مجاورة الباردين. أعني الماء و الأرض مع زوال المانع. أعني انعكاس الأشعة، فغير مسلّم. و أما الاستدلال بأن النار حارة، فلو كانت رطبة لكانت هواء، و بأن الهواء رطب، فلو كان باردا لكان ماء ففي غاية الضعف لأن الاشتراك في اللوازم، سيما اللوازم المختلفة بالشدة و الضعف المختص بكل من الملزومات، بعض تلك المختلفات لا يوجب اتحاد الملزومات في الماهية.
[قال (ثم جعلوا) هذه الأربعة أركان المواليد منها التركيب [١] و إليها التحليل، لما يشاهد من أنه
[١] التركيب ضد التحليل و هو تأليف الكل من أجزائه فاذا ركبت الماء من الاوكسجين و الهيدروجين كان تركيبك تجريبيا و اذا جمعت المبادي البسيطة، و ألفت منها نتائج مركبة كان تركيبك عقليا، و في قول (ديكارت) ان أرتب افكاري فأبدأ بأبسط الأمور و أيسرها معرفة، و أتدرج في الصعود شيئا فشيئا حتى اصل الى معرفة أكثر الأمور تركيبا بل أن أفرض ترتيبا بين الأمور التي يسبق بعضها بعضا بالطبع اشارة الى هذا التركيب العقلي (راجع القاعدة الثالثة من قواعد الطريقة، مقالة الطريفة، القسم الثاني ص ١٠٤)