شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٢٣
فإنه ليس ترجحا بلا مرجح، بل ترجح المختار أحد المقدورين من غير مرجح خارج و استحالته ممنوعة كما في أكل الجائع أحد الرغيفين، و سلوك الهارب أحد الطريقين.
فإنه قيل: لا نزاع في أن نفس الإرادة لا يكفي في وجود المراد، بل لا بد من تعلقها، فإن كان قديما كان [١] العالم قديما، و إن كان حادثا، كان ذلك الترجح ترجحا [٢] بلا مرجح.
قلنا: لا بل ترجيحا به، فإن تعلق الإرادة مما يقع بالإرادة من غير افتقار إلى أمر آخر، و الحاصل إنما نجعل شرط الحوادث تعلق الإرادة و تلتزم فيه التخلف عن تمام العلة.
دليل آخر على إمكان قدم العالم و الرد عليه
[قال (الثاني) إن كلا من إمكان العالم و صحة تأثير الواجب فيه أزلي، و إلا لزم الانقلاب، فلو لم يكن وجوده أزليا لزم ترك الجود [٣] مدة غير متناهية.
و الجواب: أنه مع كونه خطابيا مبنى على عدم التفرقة بين أزلية الإمكان و إمكان الأزلية، و قد سبق مثله آنفا].
لما كان إمكان [٤] العالم أزليا، و كذا صحة تأثير الصانع فيه، و إيجاده إياه لزم أن
[١] سقط من (أ) جملة (قديما كان)
[٢] سقط من (ب) لفظ (ترجحا)
[٣] في (ب) الوجود بدلا من (الجود)
[٤] الإمكان في اللغة: مصدر أمكن امكانا كما تقول اكرم اكراما و هو أيضا مصدر امكن الشيء من ذاته.
و الامكان في الشيء عند المتقدمين هو إظهار ما في قوته الى الفعل و ذلك انك اذا تصورت طبيعة الواجب كان طرفا و ازائه في الطرف الآخر طبيعة الممتنع و بينهما طبيعة الممكن و المسافة التي بين الواجب و الممتنع اذا لحظت وسطها على الصحة فهو أحق شيء و اولاه بطبيعة الممكن و كلما قربت هذه النقطة التي كانت وسطا الى أحد الطرفين كان ممكنا بشرط و تقييد، فقيل ممكن قريب من الواجب و ممكن بعيد عنه (أبو حيان التوحيدي و مسكويه (كتاب الهوامل و الشوامل ص ١٠٠)