ربيع الأبرار و نصوص الأخبار - الزمخشري - الصفحة ٣١٩ - الباب السبعون القضاء، و ذكر القضاة، و الشهود، و الديون، و الإيمان، و الخصومات، و ما يليق بذلك
٤٨-علي رضي اللّه عنه: إن أبغض الخلائق إلى اللّه رجلان: رجل و كله اللّه إلى نفسه [١] فهو جائر عن قصد السبيل، مشغوف [٢] بكلام بدعة، و دعاء ضلالة، و رجل قمش جهلا [٣] ، موضع في جهال الأمة، غار في أغباش الفتنة [٤] ، عم بما في عقد الهدنة [٥] . قد سماه أشباه الناس عالما و ليس به، بكر استكثر من جمع ما قل منه خير مما كثر [٦] ، حتى ارتوى من آجن [٧] ، و اكتنز من غير طائل [٨] . جليس الناس قاضيا [٩] ، ضامنا لتخليص ما التبس على غيره [١٠] . فإن نزلت به إحدى المبهمات هيأ لها حشوا من رأيه ثم قطع [١١] به. فهو في لبس الشبهات في مثل بيت
[١] و كله اللّه إلى نفسه: تركه و نفسه و هذا يعني أنه ذهب خلف هواه فيما يعتقد لا يرجع إلى حقيقة من الدين و لا يهتدي بدليل من الكتاب فهو حائد عن قصد السبيل و عادل عن جادته.
[٢] المشغوف بشيء: المولع به و كلام البدعة كلام ابتدعته الأهواء و الميول.
[٣] رجلا قمش جهلا من قمش يقمش قمشا و القمش جمع الشيء من هاهنا و هاهنا و هو ما كان على الأرض من فتات الأشياء حتى يقال لرذالة الناس.
[٤] أغباش الفتنة: الغبش: شدة الظلمة و قيل هو بقية الليل و قيل ظلمة آخر الليل و قيل هو ما يلي الصبح و قيل هو حين يصبح و الجمع من ذلك أغباش. يقال ليل أغبش أي مظلم. و غبشني خدعني و غبشه عن حاجته خدعه عنها.
[٥] عم: وصف من العمى أي جاهل بما أودعه اللّه في الكون. و الهدنة إمهال اللّه له في العقوبة و أملاؤه في أخذه.
[٦] بكر: بادر إلى المجمع كالجاد في عمله يبكر إليه من أول النهار.
استكثر: أي احتاز كثيرا و المعنى قلته خير من كثرته.
[٧] الماء الآجن: هو الماء الفاسد المتغير الطعم و اللون شبّه به تلك المجهولات التي ظنها معلومات.
[٨] أكتنز من غير طائل: أي حسب ما جمعه كنزا و هو غير طائل أي خسيس.
[٩] وردت في نهج البلاغة على غير هذه الصورة فهي: جلس بين الناس قاضيا.
[١٠] التبس على غيره: أي اختلط عليه و اشتبه.
[١١] قطع به: أي اعتقده صوابا و أصدر حكمه على أساس أي غير متثبت و لا متمحص و المبهمات هي المشكلات لأنها أبهمت عن البيان و الحشو الزائد الذي لا فائدة فيه.