المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٦٤ - ثم دخلت سنة خمس عشرة و ثلاثمائة
خندق الكوفة، و قد كان بعث ليوسف مائة كر دقيق و ألف كر شعير، فأخذها الهجريّ فقوي بها و ضعف يوسف و سبق الهجريّ إلى الكوفة قبل يوسف بيوم، فحال بينه و بينها، و بعث يوسف إليه ينذره و يقول له: إن أطعت و إلا فالحرب فأبى أن يطيع، فوقعت الحرب بينهما يوم السبت لتسع خلون من شوال سنة خمس عشرة على باب الكوفة، و لما عاين يوسف عسكر أبي طاهر احتقره، و قال: من هؤلاء الكلاب حتى أفكر فيهم؟
هؤلاء بعد ساعة في يدي، و تقدم أن يكتب كتاب الفتح قبل اللقاء، فلما سمع أصحاب الهجريّ صوت البوقات [١] و الدبادب من عسكر يوسف، قال رجل منهم لآخر: هذا فشل، فقال له: أجل، و لم يكن في عسكر أبي طاهر دبادب و لا بوقات، و ثبت يوسف فأثخن أصحاب أبي طاهر بالنشاب المسموم، و جرح منهم أكثر من خمسمائة، فلما رأى أبو طاهر ذلك و كان في عمارية له [٢] نزل فركب فرسا و حمل في خواصه، و حمل يوسف بنفسه مع ثقاته، فأسر يوسف و قتل من أصحابه عدد كثير و انهزم الباقون.
و قيل لبعض أصحاب الهجريّ: كيف تغلبون مع قلتكم؟ فقالوا: نحن نقدر السلامة في الثبوت، و هؤلاء يقدرونها في الهرب، و كان قد قبض يوسف بن أبي الساج على كاتبه أبي عبد اللَّه [٣] محمد بن خلف، و أخذ منه ما قيمته مائة ألف دينار، ثم أخذ خطه بخمسمائة ألف دينار.
و بلغ الخبر إلى بغداد، فندب مؤنس/ للخروج إليه فجاء كتاب: أن الهجريّ رحل عن الكوفة إلى ناحية الأنبار، و ما شك الناس [٤] أنه يقصد بغداد و يملكها، فماج أهل بغداد [٥]، فقال علي بن عيسى للمقتدر باللَّه: ان الخلفاء إنما يجمعون المال ليقمعوا به أعداء الدين، و لم يلحق المسلمين منذ قبض رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أعظم من هذا الأمر، لأن هذا الرجل كافر و قد أوقع بالناس [٦] سنة اثنتي عشرة، و جرى عليهم منه ما لم
[١] في ك: «أصحاب الهجريّ ضرب البوقات».
[٢] «له»: ساقطة من ص، ل.
[٣] في ك: «على كاتبه أبي عبيد» و كذا في ت.
[٤] في ك: «و ما يشك الناس».
[٥] في ك: «فهاج أهل بغداد».
[٦] في ك: «و قد أوقع بالحاج».