منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٤ - تذنيب
و الأصحاب و الأقرباء أشدّ حزنا و أعظم بكاء و انتحابا من مولاتي فاطمة الزهراء، و كان حزنها يتجدّد و يزيد، و بكاؤها يشتدّ فجلست سبعة أيام لا يهدى لها أنين و لا يسكن منها حنين، و كلّ يوم جاء كان بكاؤها أكثر من اليوم الأول.
فلما كان في اليوم الثامن أبدت ما كتمت من الحزن فلم تطق صبرا إذ خرجت و صرخت فكأنها من فم رسول اللّه ٦ تنطق، فتبادرت النسوان و خرجت الولايد و الولدان، و ضجّ الناس بالبكاء و النحيب، و جاء الناس من كلّ مكان، و اطفيت المصابيح لكيلا تتبيّن صفحات النساء، و خيّل إلى النسوان أنّ رسول اللّه ٦ قد قام من قبره، و صار الناس في دهشة و حيرة لما قد رهقهم، و هى تنادى و تندب أباه وا أبتاه وا صفيّاه وا محمّداه وا أبا القاسماه و اربيع الأرامل و اليتامى اه من للقبلة و المصلّى، و من لابنتك الوالهة الثكلى.
ثمّ أقبلت تعثر في أذيالها و هى لا تبصر شيئا من عبرتها و من تواتر دمعتها حتى دنت من قبر أبيها محمّد ٦ فلمّا نظرت إلى الحجرة وقع طرفها على المأذنة فقصر خطاها و دام نحيبها و بكاها إلى أن اغمى عليها، فتبادرت النسوان إليها فنضحن الماء عليها و على صدرها و جبينها حتّى أفاقت و هى تقول:
رفعت قوّتي، و خانني جلدى، و شمت بي عدوّي، و الكمد قاتلي، يا أبتاه بقيت و الهة وحيدة و حيرانة فريدة فقد انخمد صوتى، و انقطع ظهرى، و تنغّص عيشي، و تكدّر دهري، فما أجد يا أبتاه بعدك أنيسا لوحشتي، و لا رادا لدمعتي و لا معينا لضعفي، فقد فنى بعدك محكم التنزيل، و مهبط جبرئيل، و محلّ ميكائيل انقلبت بعدك يا أبتاه الأسباب، و تغلّقت دوني الأبواب، فأنا للدّنيا بعدك قالية، و عليك ما ترددت أنفاسي باكية، لا ينفد شوقي إليك، و لا حزني عليك.
ثمّ نادت: يا أبتاه و البّاه ثمّ قالت:
|
إنّ حزني عليك حزن جديد |
و فؤادى و اللّه صبّ عنيد |
|
|
كلّ يوم يزيد فيه شجوني |
وا كتئا بي عليك ليس يبيد |
|
|
جلّ خطبى فبان عنّي عزائي |
فبكائي كلّ وقت جديد |
|