منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٦١ - الثالث أن الواجب تعالى وجوده تام فوق التمام
و الصوفيّة أولياء الشيطان لمّا ضاق بهم الخناق في إقامة البرهان على مذهبهم الفاسد و اعتقادهم الكاسد استندوا إلى الكشف و العيان.
قال بعض من له خوض فى التّصوف:
إنّ مستند الصوفيّة فيما ذهبوا إليه هو الكشف و العيان لا النظر و البرهان، فانّهم لمّا توجّهوا إلى جناب الحقّ سبحانه بالتّعرية الكاملة و تفريغ القلب بالكليّة عن جميع التّعلّقات الكونيّة و القوانين العلميّة مع توحيد العزيمة و دوام الجمعيّة و المواظبة على هذه الطريقة بدون فترة و لا تقسيم خاطر و لا تشتّت عزيمة منّ اللّه سبحانه عليهم بنور كاشف يريهم الأشياء كما هي.
و هذا النور يظهر في الباطن عند ظهور طور وراء طور العقل، و لا تستبعدن وجود ذلك، فوراء العقل أطوار كثيرة يكاد لا يعرف عددها إلّا اللّه.
و نسبة العقل إلى ذلك النور كنسبة الوهم إلى العقل، فكما يمكن أن يحكم العقل بصحّة ما لا يدركه الوهم كوجود موجود مثلا لا خارج العالم و لا داخله، فكذلك يمكن أن يحكم ذلك النّور الكاشف بصحّة بعض ما لا يدركه العقل، كوجود حقيقة مطلقة محيطة لا يحصرها التقييد و لا يقيّدها التعيين.
مع أنّ وجود حقيقة كذلك ليس من هذا القبيل فانّ كثيرا من الحكماء و المتكلّمين ذهبوا إلى وجود الكلّي الطبيعي في الخارج.
و المقصود هنا رفع الاستحالة العقلية و الاستبعادات العادية عن هذه المسألة لا إثباتها بالبراهين و الأدلة، انتهى.
و هو سخيف جدّا لامتناع أن يكون طور وراء العقل إلّا النّبوة، و لو جوّز ذلك لبطلت الشرائع و الأديان و الأحكام النقليّة و العقلية و ارتفع الأمان و انسدّ باب الايمان.
و ليس نتيجة ما ذكر من الرّياضة و المجاهدة إلّا تلطيف السّر و تهذيب الباطن و تصفية القلب ليسهل النظر و يسرع الفكر و يصفو الذّهن من الكدر، فيتجرّد المعقولات النظريّة عن الغواشي الوهميّة و يتميّز المعقول عن الموهوم، و ذلك