منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٦٠ - الثالث أن الواجب تعالى وجوده تام فوق التمام
و هو كما ترى نصّ صريح مثل الاخبار الاتية الواردة من معادن القدس و الطهارة في أنّ مباينته لغيره بنفس ذاته. فلا يتّصف بالماهيّة و لا بالوجود بالمعنى المتصوّر في الممكن، بل إذا قلنا إنّه موجود و وصفناه بالوجود فهو بمعنى اعلا ممّا يتصوّره العقل، و هكذا إذا وصفناه بالعلم و الحياة و ساير الصفات الثبوتيّة و هو معنى ما ورد في غير واحد من الأخبار الكثيرة من أنّه سبحانه شيء لا كالأشياء فوصفه بأنّه شيء من ضيق المجال و الخروج من حدّ التعطيل، و بأنّه لا كالأشياء للتّنزيه و التقديس و نفى التشبيه و الاشارة إلى كونه باينا من الأشياء و كونها باينة منه بنفس ذاته المقدّسة.
و الحاصل أنّه تعالى ممتاز عمّا سواه بذاته، و الوجود عين ذاته، و الوجود الّذى له عزّ و جلّ ليس بالمعنى الذى لها كيف و الوجود الذى لغيره أمر بديهىّ يعرفه الكلّ كساير البديهيّات، و الوجود المخصّص به لا يدركه بعد الهمم و لا يناله غوص الفطن، و غاية معرفتنا بذاته أنّا لا نعرف ذاته بيان ذلك أنّ كلّ مدرك باحدى القوى و الحواسّ ظاهريّة كانت أو باطنيّة و كلّ ما تدركه المشاعر صورة كانت أو معنى فهو محدود متمثّل تحدّه الحواسّ و تمثّله الأفكار، و كلّ ما هو كذلك فهو مخلوق مثلنا مصنوع بفكرنا، و خالق الأشياء منزّه عنه فنعرف ذاته بأنّا لا نعرف ذاته إذ غاية ما يحصل لنا من الاثار و الأفعال كونه مبدء لتلك الاثار و الأفعال صانعا لها، و من ذلك يحصل الجزم بوجوده تعالى.
إذ لو لم يكن موجودا ثابتا لكان معدوما منفيّا اذ لا مخرج منهما و لا واسطة بين النّفى و الاثبات و الوجود و العدم.
و يلزم من عدمه أن لا يكون في الوجود شيء أصلا و اللّازم باطل بالبديهة فكذا الملزوم و وجه الملازمة أنّ الكلّ مفتقر في وجوده إليه فما هو معدوم في نفسه كيف يكون مفيضا للوجود فثبت بذلك أنّه موجود ممتاز بذاته عمّا عداه هذا،.