منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٥٩ - الثالث أن الواجب تعالى وجوده تام فوق التمام
و أما الثاني فامّا أن يكون سرايته في المخلوقات مع تعيّنه الذى هو له فهو محال، لأنّه جمع بين النقيضين إذ التعيّن الوجوبى مناف للتعيّن الامكانى و مناقض له، أو مع إلقائه لتعيّنه الذّاتى و تعيّنه بالتعيّن الامكانى و هو فرع أن يكون متحرّك غير واجب و ممكن يكون في تلك المراتب و يكون واجبا تارة و ممكنا اخرى و هو باطل.
و الحاصل أنّ الواجب إمّا مبهم محض و جامع بين جميع الموجودات كما هو شأن الجامعة السارية، و هو مستلزم لنفى وجود الصانع تعالى عن ذلك علوّا كبيرا، و إما أنّه متعيّن بحب ذاته فيستحيل سريانه في الامور المتعيّنة بالحدود و القيود.
و الى ذلك أشار المحقّق الطوسي في شرح الاشارات حيث قال:
حقيقة الواجب ليست هى الوجود العام بل هى مجرّد وجوده الخاص به المخالف لساير الموجودات لقيامه بالذّات.
و قال أيضا: الوجود داخل في مفهوم ذات واجب الوجود لا الوجود المشترك الذي لا يوجد إلّا في العقل بل الوجود الخاص الذى هو المبدأ الأول لجميع الموجودات و إذ ليس له جزء فهو نفس ذاته و هو المراد من قولهم: مهيّته هى إنيّته انتهى.
و قال المعلّم الثاني في محكيّ كلامه من كتاب الجمع بين الرّايين:
إنّه لما كان البارى جلّ جلاله بانيّة ذاته مباينا لجميع ما سواه و ذلك له بمعنى أشرف و أفضل و أعلى بحيث لا يناسبه في إنيتّه شيء و لا يشاكله و لا يشبهه حقيقة و لا مجازا، ثمّ مع ذلك لم يكن بدّ من وصفه و اطلاق كلّ لفظة كماليّة من هذه الألفاظ المتواطئة عليه، فانّ من الواجب الضّرورى أن نعلم أنّ مع كلّ لفظة نقولها في شيء من أوصافه معنى بذاته بعيدا من المعنى الّذي نتصوّره من تلك اللّفظة و ذلك كما قلناه بمعنى أشرف و أعلى حتّى إذا قلنا إنّه موجود علمنا مع ذلك أنّ وجوده لا كوجود ساير ما دونه، و إذا قلنا إنّه حىّ علمنا أنّه بمعنى أشرف من الحىّ الذى هو دونه و كذلك الأمر في سايرها، انتهى.