منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٥٨ - الثالث أن الواجب تعالى وجوده تام فوق التمام
في المقدّمة الّتي مهّدناها، فكيف يعقل ترقّى الثاني إلى مرتبة الأوّل، فانّ ذاتيّ الشّيء لا ينفكّ عنه و المعلوليّة و المحدوديّة و الافتقار و النقصان من لوازم ذات الممكن فكيف يتصوّر أن يلقى الممكن إنيّته على اصطلاحهم و يصل إلى مرتبة الواجب.
مع أنّ إنيّته ليس إلّا تعيّنه بماهيّته و بعد ارتفاع التّعين و التّحدّد لا يبقى ماهيّة و لا وجود، فلا يكون هناك شيء أصلا.
و كذلك إذا كان الواجب تعيّنه بذاته و بكنهه و منزّها عن الحدود لكونه صرف الوجود و كان تامّا فوق التمام كان مباينا للممكن غاية البينونة كما قال الرّضا ٧ في الحديث المرويّ عنه في الكافي: مباينته إيّاهم مفارقته إنيّتهم، فكيف يتوّهم كونه ساريا في الموجودات.
و هؤلاء الجهلة لمّا سمعوا أنّ الواجب وجود خال من جميع الحدود و القيود، و أنّ الوجود مفهوم واحد نقيض العدم، فتوهّموا أنّ الوجود الخالى من جميع القيود هو الوجود المطلق لا بشرط التعيّن و عدم التعيّن، فيجتمع مع جميع التعيّنات الامكانية، و يكون عين حقيقة كلّ ممكن.
و هذا التوهّم من الفساد بمكان لأنّ معنى خلوّ الواجب من القيود، هو خلوّه من التعيّنات الامكانية لا من مطلق التعيّن و لو بذاته، فتعيّنه سبحانه بوجوب وجوده الذي هو عين ذاته فعلى هذا يكون طرد الحدود و التعيّنات الامكانية محالا، و ليس معنى خلوّه منها كونه مبهما ساريا فى التعيّنات مثل سريان الكلّيات في مصاديقها الخارجيّة المتعينة.
و بعبارة أوضح أنّ الواجب مع قطع النظر عن الحدود و التعيّنات إمّا مبهم أو متعيّن.
أمّا الأوّل فتحقّقه محال بالضّرورة، لأنّ الشيء ما لم يتشخّص لم يوجد و من هنا قالوا إنّ الكليّ الطبيعي أمر مبهم لا يمكن تحقّقه في الخارج إلّا بضمّ التعيّنات و تشخّصات الأفراد.