البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٣ - باب زهده (عليه السلام) و إعراضه عن هذه الدار و إقباله و اجتهاده و عمله لدار القرار
رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يلتوى من الجوع ما يجد من الدّقل ما يملأ بطنه، و أخرجه مسلم من حديث شعبة*
و في الصحيح أن أبا طلحة قال: يا أم سليم، لقد سمعت صوت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أعرف فيه الجوع، و سيأتي الحديث في دلائل النبوة و في قصة أبى الهيثم بن التيهان: أن أبا بكر و عمر خرجا من الجوع فبينما هما كذلك إذ خرج رسول اللَّه، فقال: ما أخرجكما؟ فقالا: الجوع، فقال: و الّذي نفسي بيده لقد أخرجني الّذي أخرجكما، فذهبوا إلى حديقة الهيثم بن التيهان فأطعمهم رطبا و ذبح لهم شاة فأكلوا و شربوا الماء البارد، و قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): هذا من النعيم الّذي تسألون عنه*
و قال الترمذي: ثنا عبد اللَّه بن أبى زياد، ثنا سيار، ثنا يزيد بن أسلم عن يزيد بن أبى منصور عن أنس عن أبى طلحة قال: شكونا إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الجوع و رفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) [عن بطنه] عن حجرين، ثم قال غريب* و ثبت في الصحيحين من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها سئلت عن فراش رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالت: كان من أدم حشوه ليف*
و قال الحسن بن عرفة: ثنا عباد بن عباد المهلبي عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: دخلت على امرأة من الأنصار فرأت فراش رسول اللَّه عباءة مثنية، فانطلقت فبعثت إلى بفراش حشوه الصوف، فدخل على رسول اللَّه فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت:
قلت يا رسول اللَّه: فلانة الأنصارية دخلت عليّ فرأت فراشك فذهبت فبعثت إلى بهذا فقال: ردّيه قالت: فلم أرده و أعجبنى أن يكون في بيتي حتى قال ذلك ثلاث مرات، قالت: فقال رديه يا عائشة فو اللَّه لو شئت لأجرى اللَّه معى جبال الذهب و الفضة*
و قال الترمذي في الشمائل: حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى البصري، ثنا عبد اللَّه بن مهدي، ثنا جعفر بن محمد عن أبيه قال: سئلت عائشة ما كان فراش رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في بيتك؟ قالت: من أدم حشوه ليف، و سئلت حفصة ما كان فراش رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ قالت: مسحا نثنيه ثنيتين فينام عليه، فلما كان ذات ليلة قلت: لو ثنيته بأربع ثنيات كان أوطأ له، فثنيناه له بأربع ثنيات، فلما أصبح قال «ما فرشتم لي الليلة؟ قالت: قلنا هو فراشك الا أنا ثنيناه بأربع ثنيات قلنا هو أوطأ لك، قال: ردوه لحالته الاولى، فإنه منعتني وطأته صلاتي الليلة* [و قال الطبراني: حدثنا محمد بن أبان الأصبهاني، حدثنا محمد بن عبادة الواسطي، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة عن حكيم بن حزام قال: خرجت إلى اليمن فابتعت حلة ذي يزن فأهديتها إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فردها، فبعتها فاشتراها فلبسها ثم خرج على أصحابه و هي عليه فما رأيت شيئا أحسن منه فيها، فما ملكت نفسي أن قلت:
ما ينظر الحكام بالفضل بعد ما* * * بدا واضح من غرّة و حجول