البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٤ - حديث آخر
خامس جمادى الآخرة سنة أربع و خمسين و ستمائة، و أنها استمرت شهرا و أزيد منه، و ذكر كتبا متواترة عن أهل المدينة، في كيفية ظهورها شرق المدينة من ناحية وادي شظا، تلقاء أحد، و أنها ملأت تلك الأودية، و انه يخرج منها شرر يأكل الحجاز، و ذكر أن المدينة زلزلت بسببها، و أنهم سمعوا أصواتا مزعجة قبل ظهورها بخمسة أيام، أول ذلك مستهل الشهر يوم الاثنين، فلم تزل ليلا و نهارا حتى ظهرت يوم الجمعة فانبجست تلك الأرض عند وادي شظا عن نار عظيمة جدا صارت مثل طوله أربعة فراسخ في عرض أربعة أميال و عمقه قامة و نصف، يسيل الصخر حتى يبقى مثل الآنك، ثم يصير كالفحم الأسود، و ذكر أن ضوءها يمتد الى تيماء بحيث كتب الناس على ضوئها في الليل، و كأن في بيت كل منهم مصباحا، و رأى الناس سناها من مكة شرفها اللَّه، قلت: و أما بصرى فأخبرني قاضى القضاة صدر الدين على بن أبى قاسم التيمي الحنفي قال: أخبرنى والدي، و هو الشيخ صفى الدين أحد مدرسي بصرى، أنه أخبره غير واحد من الأعراب صبيحة تلك الليلة من كان بحاضرة بلد بصرى، أنهم رأوا صفحات أعناق إبلهم في ضوء هذه النار التي ظهرت من أرض الحجاز، و قد ذكر الشيخ شهاب الدين أن أهل المدينة لجئوا في هذه الأيام إلى المسجد النبوي، و تابوا إلى اللَّه من ذنوب كانوا عليها، و استغفروا عند قبر النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) مما سلف منهم و أعتقوا الغلمان، و تصدقوا على فقرائهم و مجاريحهم و قد قال قائلهم في ذلك:
يا كاشف الضر صفحا عن جرائمنا* * * فقد أحاطت بنا يا رب بأساء
نشكو إليك خطوبا لا نطيق لها* * * حملا و نحن بها حقا أحقاء
زلازل تخشع الصم الصلاد لها* * * و كيف تقوى على الزلزال صماء
أقام سبعا يرج الأرض فانصدعت* * * عن منظر منه عين الشمس عشواء
بحر من النار تجرى فوقه سفن* * * من الهضاب لها في الأرض إرساء
يرى لها شرر كالقصر طائشة* * * كأنها ديمة تنصب هطلاء
تنشق منها قلوب الصخر إن زفرت* * * رعبا و ترعد مثل الشهب أضواء
منها تكاثف في الجوالد خان إلى* * * أن عادت الشمس منه و هي دهماء
قد أثرت سعفة في البدر لفحتها* * * فليلة التم بعد النور ليلاء
فيا لها آية من معجزات رسول* * * اللَّه يعقلها القوم الألباء
و مما قيل من هذه النار مع غرق بغداد في هذه السنة:
سبحان من أصبحت مشيئته* * * جارية في الورى بمقدار
أغرق بغداد بالمياه كما* * * أحرق أرض الحجاز بالنار