البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٤ - ذكر الأخبار عن خلفاء بنى أمية جملة من جملة، و الإشارة إلى مدة دولتهم
قلت: و لكن في شهوده قصة الحسن و معاوية نظر، و قد يكون أرسلها عمن لا يعتمد عليه، و اللَّه أعلم، و قد سألت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي (رحمه اللَّه) عن هذا الحديث فقال: هو حديث منكر و أما قول القاسم بن الفضل (رحمه اللَّه): إنه حسب دولة بنى أمية فوجدها ألف شهر، لا تزيد يوما و لا تنقصه، فهو غريب جدا، و فيه نظر، و كذلك لأنه لا يمكن إدخال دولة عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه، و كانت ثنتا عشرة سنة، في هذه المدة، لا من حيث الصورة و لا من حيث المعنى، و ذلك أنها ممدوحة لأنه أحد الخلفاء الراشدين و الأئمة المهديين الذين قضوا بالحق و به كانوا يعدلون* و هذا الحديث إنما سيق لذم دولتهم، و في دلالة الحديث على الذم نظر، و ذلك أنه دل على أن ليلة القدر خير من ألف شهر التي هي دولتهم، و ليلة القدر ليلة خيرة، عظيمة المقدار و البركة، كما وصفها اللَّه تعالى به، فما يلزم من تفضيلها على دولتهم ذم دولتهم، فليتأمل هذا فإنه دقيق يدل على أن الحديث في صحته نظر، لانه إنما سيق لذم أيامهم و اللَّه تعالى أعلم* و أما إذا أراد أن ابتداء دولتهم منذ ولى معاوية حين تسلمها من الحسن بن على، فقد كان ذلك سنة أربعين، أو إحدى و أربعين، و كان يقال له عام الجماعة، لأن الناس كلهم اجتمعوا على إمام واحد*
و قد تقدم الحديث في صحيح البخاري عن أبى بكرة أنه سمع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول للحسن بن على: إن ابني هذا سيد، و لعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين*
فكان هذا في هذا العام، و للَّه الحمد و المنة. و استمر الأمر في أيدي بنى أمية من هذه السنة إلى سنة ثنتين و ثلاثين و مائة، حتى انتقل إلى بنى العباس كما سنذكره، و مجموع ذلك ثنتان و تسعون سنة، و هذا لا يطابق ألف شهر، لأن معدل ألف شهر ثلاث و ثمانون سنة و أربعة أشهر، فان قال: أنا أخرج منها ولاية ابن الزبير و كانت تسع سنين، فحينئذ يبقى ثلاث و ثمانون سنة، فالجواب أنه و إن خرجت ولاية ابن الزبير، فإنه لا يكون ما بقي مطابقا لألف شهر تحديدا، بحيث لا ينقص يوما و لا يزيده، كما قاله، بل يكون ذلك تقريبا، هذا وجه، الثاني أن ولاية ابن الزبير كانت بالحجاز و الأهواز و العراق في بعض أيامه، و في مصرفى قول، و لم تنسلب يد بنى أمية من الشام أصلا، و لا زالت دولتهم بالكلية في ذلك الحين، الثالث أن هذا يقتضي دخول دولة عمر بن عبد العزيز في حساب بنى أمية، و مقتضى ما ذكره أن تكون دولته مذمومة، و هذا لا يقوله أحد من أئمة الإسلام، و إنهم مصرحون بأنه أحد الخلفاء الراشدين، حتى قرنوا أيامه تابعة لأيام الأربعة، و حتى اختلفوا في أيهما أفضل؟ هو أو معاوية بن أبى سفيان أحد الصحابة، و قد قال أحمد بن حنبل: لا أرى قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبد العزيز، فإذا علم هذا، فأن أخرج أيامه من حسابه انخرم حسابه، و إن أدخلها فيه مذمومة، خالف الأئمة، و هذا ما لا محيد عنه* و كل هذا مما يدل على نكارة هذا الحديث و اللَّه أعلم*
و قال نعيم بن حماد: حدثنا