البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٠ - فصل في إيراد طرق هذا الحديث من أماكن متفرقة- و قد جمع فيه أبو القاسم عبيد اللَّه بن عبد اللَّه ابن أحمد الحسكانيّ جزءا و سماه مسألة في تصحيح رد الشمس و ترغيم النواصب الشمس
قال: سئل أنس هل كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يرفع يديه؟ فقال: قيل له يوم جمعة: يا رسول اللَّه قحط المطر، و أجدبت الأرض، و هلك المال، قال: فرفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه فاستسقى، و لقد رفع يديه فاستسقى و لقد رفع يديه و ما نرى في السماء سحابة فما قضينا الصلاة حتى أن الشاب قريب الدار ليهمه الرجوع إلى أهله،
قال: فلما كانت الجمعة التي تليها قالوا: يا رسول اللَّه تهدمت البيوت و احتبست الركبان، فتبسم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من سرعة ملالة ابن آدم و قال: اللَّهمّ حوالينا و لا علينا،
قال: فتكشطت عن المدينة. و هذا إسناد ثلاثي على شرط الشيخين و لم يخرجوه* و قال البخاري و أبو داود و اللفظ له: ثنا مسدد، ثنا حماد بن زيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك، و عن يونس بن عبيد عن ثابت عن أنس رضى اللَّه عنه قال: أصاب أهل المدينة قحط على عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فبينا هو يخطب يوم جمعة إذ قام رجل فقال: يا رسول اللَّه هلكت الكراع، هلكت الشاء، فادع اللَّه يسقينا، فمد يده و دعا. قال أنس: و إن السماء لمثل الزجاجة، فهاجت ريح أنشأت سحابا، ثم اجتمع، ثم أرسلت السماء عزاليها فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا فلم تزل تمطر إلى الجمعة الأخرى،
فقام إليه ذلك الرجل أو غيره فقال: يا رسول اللَّه تهدمت البيوت فادع اللَّه يحبسه.
فتبسم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثم قال: حوالينا و لا علينا،
فنظرت إلى السحاب يتصدع حول المدينة كأنه إكليل، فهذه طرق متواترة عن أنس بن مالك لأنها تفيد القطع عند أئمة هذا الشان* و قال البيهقي باسناده من غير وجه إلى أبى معمر سعيد بن أبى خيثم الهلالي عن مسلم الملائى عن أنس بن مالك قال:
جاء أعرابى فقال: يا رسول اللَّه و اللَّه لقد أتيناك، و ما لنا بعير يبسط و لا صبي يصطبح و أنشد:
أتيناك و العذراء يدمي لبانها* * * و قد شغلت أم الصبى عن الطفل
و ألقى بكفيه الفتى لاستكانة* * * من الجوع ضعفا قائما و هو لا يخلى
و لا شيء مما يأكل الناس عندنا* * * سوى الحنظل العامىّ و العلهز الفسل
و ليس لنا إلا إليك فرارنا* * * و أين فرار الناس إلا إلى الرّسل
قال: فقام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو يجر رداءه حتى صعد المنبر فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم رفع يديه نحو السماء و قال: اللَّهمّ اسقنا غيثا مغيثا مريئا سريعا غدقا طبقا عاجلا غير رائث، نافعا غير ضار تملأ به الضرع، و تنبت به الزرع، و تحيى به الأرض [بعد موتها] و كذلك تخرجون. قال: فو اللَّه ما رد يده إلى نحره حتى ألقت السماء بأوراقها، و جاء أهل البطانة يصيحون: يا رسول اللَّه الغرق الغرق، فرفع يديه إلى السماء و قال: اللَّهمّ حوالينا و لا علينا، فانجاب السحاب عن المدينة حتى أحدق بها كالإكليل فضحك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى بدت نواجذه ثم قال: للَّه درّ أبى طالب لو كان حيا قرت عيناه من ينشد قوله؟ فقام على بن أبى طالب فقال: يا رسول اللَّه كأنك أردت قوله: