البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٣ - فصل
حدثهم أهل الكتاب موافقا لما عندهم صدقوه، و ما لم يعلم صدقه و لا كذبه أمسكوا عنه، و ما عرفوا بأنه باطل كذبوه، و من أدخل في الدين ما ليس منه من أقوال متفلسفة الهند و الفرس و اليونان أو غيرهم، كان عندهم من أهل الإلحاد و الابتداع* و هذا هو الدين الّذي كان عليه أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و التابعون، و هو الّذي عليه أئمة الدين الذين لهم في الأمة لسان صدق، و عليه جماعة المسلمين و عامتهم، و من خرج عن ذلك كان مذموما مدحورا عند الجماعة، و هو مذهب أهل السنة و الجماعة، الظاهرين إلى قيام الساعة، الذين
قال فيهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم و لا من خذلهم حتى تقوم الساعة»
و قد يتنازع بعض المسلمين مع اتفاقهم على هذا الأصل الّذي هو دين الرسل عموما، و دين محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) خصوصا، و من خالف في هذا الأصل كان عندهم ملحدا مذموما، ليسوا كالنصارى الذين ابتدعوا دينا ما قام به أكابر علمائهم و عبادهم و قاتل عليه ملوكهم، و دان به جمهورهم، و هو دين مبتدع ليس هو دين المسيح و لا دين غيره من الأنبياء، و اللَّه سبحانه أرسل رسله بالعلم النافع، و العمل الصالح، فمن اتبع الرسل حصل له سعادة الدنيا و الآخرة، و إنما دخل في البدع من قصر في اتباع الأنبياء علما و عملا* و لما بعث اللَّه محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) بالهدى و دين الحق، تلقى ذلك عنه المسلمون [من أمته]، فكل علم نافع و عمل صالح عليه أمة محمد، أخذوه عن نبيهم كما ظهر لكل عاقل أن أمته أكمل الأمم في جميع الفضائل، العلمية و العملية، و معلوم أن كل كمال في الفرع المتعلّم هو في الأصل المعلّم، و هذا يقتضي أنه (عليه السلام) كان أكمل الناس علما و دينا* و هذه الأمور توجب العلم الضروريّ بأنه كان صادقا في
قوله: «إني رسول اللَّه إليكم جميعا»
لم يكن كاذبا مفتريا، فان هذا القول لا يقوله إلا من هو من خيار الناس و أكملهم، إن كان صادقا، أو من هو من أشر الناس و أخبثهم إن كان كاذبا، و ما ذكر من كمال علمه و دينه يناقض الشر و الخبث و الجهل، فتعين أنه متصف بغاية الكمال في العلم و الدين، و هذا يستلزم أنه كان صادقا في
قوله: «إني رسول اللَّه إليكم جميعا»
لأن الّذي لم يكن صادقا إما أن يكون متعمدا للكذب أو مخطئا و الأول يوجب أنه كان ظالما غاويا، و الثاني يقتضي أنه كان جاهلا ضالا، و محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) كان علمه ينافي جهله، و كمال دينه ينافي تعمد الكذب، فالعلم بصفاته يستلزم العلم بأنه لم يكن يتعمد الكذب و لم يكن جاهلا يكذب بلا علم، و إذا انتفى هذا و ذاك تعين أنه كان صادقا عالما بأنه صادق و لهذا نزهه اللَّه عن هذين الأمرين بقوله تعالى: «وَ النَّجْمِ إِذا هَوى، ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى، وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى» و قال تعالى عن الملك الّذي جاء به «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ» ثم قال عنه: «وَ ما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ، وَ لَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ وَ ما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ، وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ، فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ»