البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٧ - حديث بلال في ذلك
نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: نعم، قالوا: فاكتب لنا عليك كتابا، قال: فدعا بصحيفة و دعا عليا ليكتب و نحن قعود في ناحية، فنزل جبريل (عليه السلام) فقال:
(وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَ ما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) ثم ذكر الأقرع بن حابس و عيينة بن حصن فقال: «وَ كَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ» ثم قال: «وَ إِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» قال:
فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته، فكان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يجلس معنا، فإذا أراد أن يقوم قام و تركنا، فأنزل اللَّه عز و جل: «وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَ لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ» و لا تجالس الأشراف «وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا» يعنى عيينة و الأقرع «وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً» قال: هلاكا، قال [١] أمر عيينة و الأقرع، ثم ضرب لهم مثل الرجلين و مثل الحياة الدنيا، قال خباب: فكنا نقعد مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فإذا بلغنا الساعة التي يقوم قمنا و تركناه حتى يقوم* ثم قال ابن ماجة: حدثنا يحيى بن حكيم ثنا أبو داود، ثنا قيس بن الربيع عن المقدام بن شريح عن أبيه عن سعد قال، نزلت هذه الآية فينا ستة، فىّ و في ابن مسعود و صهيب و عمار و المقداد و بلال. قال قالت قريش: يا رسول اللَّه انا لا نرضى أن نكون أتباعا لهم فاطردهم عنك، قال: فدخل قلب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من ذلك ما شاء اللَّه أن يدخل، فأنزل اللَّه عز و جل: «وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» الآية*
و قال الحافظ البيهقي: أنا أبو محمد عبد اللَّه بن يوسف الأصفهاني، أنا أبو سعيد بن الأعرابي، ثنا أبو الحسن خلف ابن محمد الواسطي الدوسيّ، ثنا يزيد بن هارون، ثنا جعفر بن سليمان الضبعي، ثنا المعلى بن زياد- يعنى عن العلاء بن بشير المازني [عن] أبى الصديق الناجي- عن أبى سعيد الخدريّ قال: كنت في عصابة من المهاجرين جالسا معهم و إن بعضهم ليستتر ببعض من العرى، و قارئ لنا يقرأ علينا، فكنا نسمع إلى كتاب اللَّه فقال رسول اللَّه: الحمد للَّه الّذي جعل من أمتى من أمرت أن أصبر معهم نفسي، قال فاستدارت الحلقة و برزت وجوههم، قال: فما عرف رسول اللَّه أحدا منهم غيري، فقال رسول اللَّه: أبشروا معاشر صعاليك المهاجرين بالنور يوم القيامة، تدخلون قبل الأغنياء بنصف يوم، و ذلك خمسمائة عام*
و قد روى الامام أحمد و أبو داود و الترمذي من حديث حماد بن سلمة عن حميد عن أنس قال لم يكن شخص أحب اليهم من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال: و كانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك.
[١] كذا و لعله ذكر.