البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٩ - باب زهده (عليه السلام) و إعراضه عن هذه الدار و إقباله و اجتهاده و عمله لدار القرار
ليس فيها سوى صبرة من قرظ، و أهبة معلقة، و صبرة من شعير، و إذا هو مضطجع على رمال حصير قد أثر في جنبه، فهملت عينا عمر، فقال: مالك، فقلت: يا رسول اللَّه أنت صفوة اللَّه من خلقه، و كسرى و قيصر فيما هما فيه، فجلس محمرا وجهه فقال: أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟ ثم قال:
أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا. و في رواية لمسلم اما ترضى أن تكون لهم الدنيا و لنا الآخرة؟ فقلت: بلى يا رسول اللَّه، قال: فاحمد اللَّه عز و جل،
ثم لما انقضى الشهر أمره اللَّه عز و جل أن يخير أزواجه و أنزل عليه قوله: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً». و قد ذكرنا هذا مبسوطا في كتابنا التفسير و أنه بدأ بعائشة، فقال لها: إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمرى أبويك، و تلا عليها هذه الآية، قالت:
فقلت أ في هذا أستأمر أبوي؟ فانى أختار اللَّه و رسوله و الدار الآخرة، و كذلك قال سائر أزواجه (عليه السلام) و رضى عنهن*
و قال مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس قال: دخلت على رسول اللَّه و هو على سرير مزمول بالشريط، و تحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، و دخل عليه عمرو ناس من الصحابة فانحرف رسول اللَّه انحرافة، فرأى عمر أثر الشريط في جنبه فبكى، فقال له: ما يبكيك يا عمر؟
قال: و ما لي لا أبكى و كسرى و قيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا، و أنت على الحال الّذي أرى، فقال: يا عمر، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا و لنا الآخرة؟ قال: بلى، قال: هو كذلك.
هكذا رواه البيهقي*
و قال الامام أحمد: [حدثنا أبو النضر] ثنا مبارك عن الحسن عن أنس بن مالك قال: دخلت على رسول اللَّه و هو على سرير مضطجع مزمل بشريط و تحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف فدخل عليه نفر من أصحابه، و دخل عمر فانحرف رسول اللَّه انحرافة فلم ير عمر بين جنبه و بين الشريط ثوبا و قد أثر الشريط بجنب رسول اللَّه، فبكى عمر، فقال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): ما يبكيك يا عمر؟ قال: و اللَّه ما أبكى ألا أكون أعلم أنك أكرم على اللَّه من كسرى و قيصر و هما يعيشان في الدنيا فيما يعيشان فيه و أنت يا رسول اللَّه في المكان الّذي أرى، فقال رسول اللَّه: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا و لنا الآخرة؟ قال: بلى، قال فإنه كذلك*
و قال أبو داود الطيالسي ثنا المسعودي عن عمرو بن مرة عن إبراهيم عن علقمة بن مسعود قال: اضطجع رسول اللَّه على حصير فأثر الحصير بجلده، فجعلت أمسحه و أقول بأبي أنت و أمى ألا آذنتنا فنبسط لك شيئا يقيك منه تنام عليه؟ فقال: ما لي و للدنيا، ما أنا و الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح و تركها* و رواه ابن ماجة عن يحيى بن حكيم عن أبى داود الطيالسي به. و أخرجه الترمذي عن موسى بن عبد الرحمن الكندي عن زيد بن الحباب كلاهما عن المسعودي به.
و قال الترمذي حسن صحيح*
و قد رواه الامام أحمد من حديث ابن عباس، فقال: