البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٨ - باب زهده (عليه السلام) و إعراضه عن هذه الدار و إقباله و اجتهاده و عمله لدار القرار
قال: أتت عجوز النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالت: يا رسول اللَّه ادع لي أن يدخلني اللَّه الجنة، قال: يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز، فولت العجوز تبكى، فقال أخبروها أنها لا تدخلها و هي عجوز فان اللَّه تعالى يقول «إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً»
و هذا مرسل من هذا الوجه*
و قال الترمذي: ثنا عباس ابن محمد الدوري، ثنا على بن الحسن بن شقيق، ثنا عبد اللَّه بن المبارك عن أسامة بن زيد عن سعيد المقبري عن أبى هريرة قال: قالوا يا رسول اللَّه إنك تداعبنا، قال: إني لا أقول إلا حقا.
تداعبنا- يعنى تمازحنا- و هكذا رواه الترمذي في جامعه في باب البر بهذا الاسناد ثم قال: و هذا حديث مرسل حسن*
باب زهده (عليه السلام) و إعراضه عن هذه الدار و إقباله و اجتهاده و عمله لدار القرار
قال اللَّه تعالى: «وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقى» و قال تعالى: «وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَ لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً» و قال تعالى: «فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ» و قال: «وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ» و الآيات في هذا كثيرة. و أما الأحاديث،
فقال يعقوب بن سفيان: حدثني أبو العباس حيوة بن شريح، أنا بقية عن الزبيدي عن الزهري عن محمد بن عبد اللَّه بن عباس قال: كان ابن عباس يحدث أن اللَّه أرسل إلى نبيه ملكا من الملائكة معه جبريل، فقال الملك لرسوله: «إن اللَّه يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا و بين أن تكون ملكا نبيا» فالتفت رسول اللَّه إلى جبريل كالمستشير له، فأشار جبريل إلى رسول اللَّه أن تواضع، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): بل أكون عبدا نبيا، قال: فما أكل بعد تلك الكلمة طعاما متكئا حتى لقي اللَّه عز و جل* و هكذا رواه البخاري في التاريخ عن حيوة بن شريح، و أخرجه النسائي عن عمرو بن عثمان كلاهما عن بقية بن الوليد به،
و أصل هذا الحديث في الصحيح بنحو من هذا اللفظ* و قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل عن عمارة عن أبى زرعة- و لا أعلمه الا عن أبى هريرة- قال: جلس جبريل إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال جبريل: إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد أرسلنى إليك ربك: أ فملكا نبيا يجعلك أو عبدا رسولا* هكذا وجدته بالنسخة التي عندي بالمسند مقتصرا و هو من إفراده من هذا الوجه*
و ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب في حديث إيلاء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من أزواجه أن لا يدخل عليهنّ شهرا و اعتزل عنهن في علية، فلما دخل عليه عمر في تلك العلية فإذا