البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٥٠ - خبر دومة الجندل
عقة و جيشه، نزل من الحصن و هرب و تركه، و رجعت فلال نصارى الأعراب إلى الحصن فوجدوه مفتوحا فدخلوه و احتموا به، فجاء خالد و أحاط بهم و حاصرهم أشد الحصار، فلما رأوا ذلك سألوه الصلح فأبى إلا أن ينزلوا على حكم خالد، فنزلوا على حكمه فجعلوا في السلاسل و تسلم الحصن ثم أمر فضربت عنق عقة و من كان أسر معه و الذين نزلوا على حكمه أيضا أجمعين، و غنم جميع ما في ذلك الحصن، و وجد في الكنيسة التي به أربعين غلاما يتعلمون الإنجيل و عليهم باب مغلق، فكسره خالد و فرقهم في الأمراء و أهل الغناء، و كان حمران صار إلى عثمان بن عفان من الخمس، و منهم سيرين والد محمد بن سيرين أخذه أنس بن مالك. و جماعة آخرون من الموالي المشاهير أراد بهم و بذراريهم خيرا. و لما قدم الوليد بن عقبة على الصديق بالخمس رده الصديق إلى عياض بن غنم مددا له و هو محاصر دومة الجندل فلما قدم عليه وجده في ناحية من العراق يحاصر قوما، و هم قد أخذوا عليه الطرق فهو محصور أيضا، فقال عياض للوليد: إن بعض الرأى خير من جيش كثيف، ما ذا ترى فيما نحن فيه؟ فقال له الوليد:
اكتب إلى خالد يمدك بجيش من عنده، فكتب إليه يستمده، فقدم كتابه على خالد عقب وقعة عين التمر و هو يستغيث به، فكتب إليه: من خالد إلى عياض، إياك أريد.
لبّث قليلا تأتك الحلائب* * * يحملن آسادا عليها القاشب
كتائب تتبعها كتائب
خبر دومة الجندل
لما فرغ خالد من عين التمر قصد إلى دومة الجندل، و استخلف على عين التمر عويمر بن الكاهن الأسلمي، فلما سمع أهل دومة الجندل بمسيره إليهم، بعثوا إلى أحزابهم من بهراء و تنوخ و كلب و غسان و الضجاعم، فأقبلوا إليهم و على غسان و تنوخ ابن الأيهم، و على الضجاعم ابن الحدرجان، و جماع الناس بدومة إلى رجلين أكيدر بن عبد الملك، و الجودي بن ربيعة، فاختلفا فقال أكيدر: أنا أعلم الناس بخالد، لا أحد أيمن طائر منه في حرب و لا أحد منه و لا يرى وجه خالد قوم أبدا، قلوا أم كثروا إلا انهزموا عنه، فأطيعوني و صالحوا القوم، فأبوا عليه، فقال: لن أمالئكم على حرب خالد و فارقهم، فبعث إليه خالد عاصم بن عمرو فعارضه فأخذه، فلما أتى به خالدا أمر فضربت عنقه و أخذ ما كان معه، ثم تواجه خالد و أهل دومة الجندل و عليهم الجودي بن ربيعة، و كل قبيلة مع أميرها من الأعراب، و جعل خالد دومة بينه و بين جيش عياض بن غنم، و افترق جيش الأعراب فرقتين، فرقة نحو خالد، و فرقة نحو عياض، و حمل خالد على من قبله، و حمل عياض على أولئك، فأسر خالد الجودي، و أسر الأقرع بن حابس وديعة، و فرت الأعراب إلى الحصن فملئوه و بقي منهم خلق ضاق عنهم، فعطفت بنو تميم على من هو خارج الحصن فأعطوهم ميرة فنجا بعضهم، و جاء خالد فضرب أعناق من وجده خارج الحصن، و أمر بضرب عنق الجودي و من كان معه من