البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٩ - ذكر ردة أهل عمان و مهرة و اليمن
فقتله، فلما وجد رجله مقطوعة ندم على قتله و قال: وا سوأتاه، لو أعلم ما به لم أحركه، ثم ركب المسلمون في آثار المنهزمين، يقتلونهم بكل مرصد و طريق، و ذهب من فر منهم أو أكثرهم في البحر إلى دارين ركبوا اليها السفن، ثم شرع العلاء بن الحضرميّ في قسم الغنيمة و نقل الأثقال و فرغ من ذلك و قال للمسلمين: اذهبوا بنا إلى دارين لنغزو من بها من الأعداء، فأجابوا إلى ذلك سريعا، فسار بهم حتى أتى ساحل البحر ليركبوا في السفن، فرأى أن الشقة بعيدة لا يصلون إليهم في السفن حتى يذهب أعداء اللَّه، فاقتحم البحر بفرسه و هو يقول: يا أرحم الراحمين، يا حكيم يا كريم، يا أحد يا صمد، يا حي يا محيي، يا قيوم يا ذا الجلال و الاكرام لا إله إلا أنت يا ربنا. و أمر الجيش أن يقولوا ذلك و يقتحموا، ففعلوا ذلك فأجاز بهم الخليج بأذن اللَّه يمشون على مثل رملة دمثة فوقها ماء لا يغمر أخفاف الإبل، و لا يصل إلى ركب الخيل، و مسيرته للسفن يوم و ليلة، فقطعه إلى الساحل الآخر فقاتل عدوه و قهرهم و احتاز غنائمهم ثم رجع فقطعه إلى الجانب الآخر فعاد إلى موضعه الأول، و ذلك كله في يوم، و لم يترك من العدو مخبرا، و استاق الذراري و الأنعام و الأموال، و لم يفقد المسلمون في البحر شيئا سوى عليقة فرس لرجل من المسلمين و مع هذا رجع العلاء فجاءه بها، ثم قسم غنائم المسلمين فيهم، فأصاب الفارس ألفين و الراجل ألفا، مع كثرة الجيش، و كتب إلى الصديق فأعلمه بذلك، فبعث الصديق يشكره على ما صنع، و قد قال رجل من المسلمين في مرورهم في البحر، و هو عفيف بن المنذر:
أ لم تر أن اللَّه ذلل بحرة* * * و أنزل بالكفار إحدى الجلائل
دعونا الى شق البحار فجاءنا* * * بأعجب من فلق البحار الأوائل
و قد ذكر سيف بن عمر التميمي أنه كان مع المسلمين في هذه المواقف و المشاهد التي رأوها من أمر العلاء، و ما أجرى اللَّه على يديه من الكرامات، رجل من أهل هجر راهب فأسلّم حينئذ، فقيل له:
ما دعاك إلى الإسلام؟ فقال: خشيت إن لم أفعل أن يمسخنى اللَّه، لما شاهدت من الآيات، قال:
و قد سمعت في الهواء وقت السّحر دعاء، قالوا: و ما هو؟ قال: اللَّهمّ أنت الرحمن الرحيم، لا إله غيرك و البديع ليس قبلك شيء، و الدائم غير الغافل، و الّذي لا يموت، و خالق ما يرى و ما لا يرى، و كل يوم أنت في شأن، و علمت اللَّهمّ كل شيء علما، قال: فعلمت أن القوم لم يعانوا بالملائكة إلا و هم على أمر اللَّه، قال: فحسن إسلامه و كان الصحابة يسمعون منه.
ذكر ردة أهل عمان و مهرة و اليمن
أما أهل عمان فنبغ فيهم رجل يقال له: ذو التاج، لقيط بن مالك الأزدي، و كان يسمى في الجاهلية الجلندي، فادعى النبوة أيضا، و تابعه الجهلة من أهل عمان، فتغلب عليها و قهر جيفرا و عبّادا