البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٨ - فصل في مسير الأمراء من ذي القصة على ما عوهدوا عليه
معه عيينة بن حصن في سبعمائة من قومه، بنى فزارة، و اصطف الناس، و جلس طليحة ملتفا في كساء له يتنبأ لهم ينظر ما يوحى إليه فيما يزعم، و جعل عيينة يقاتل ما يقاتل، حتى إذا ضجر من القتال يجيء إلى طليحة و هو ملتف في كسائه فيقول: أ جاءك جبريل؟ فيقول: لا، فيرجع فيقاتل، ثم يرجع فيقول له مثل ذلك و يرد عليه مثل ذلك، فلما كان في الثالثة قال له: هل جاءك جبريل؟ قال نعم، قال: فما قال لك؟ قال: قال لي إن لك رحاء كرحاه، و حديثا لا تنساه، قال يقول عيينة:
أظن أن قد علم اللَّه سيكون لك حديث لا تنساه، ثم قال: يا بنى فزارة انصرفوا، و انهزم و انهزم الناس عن طليحة، فلما جاءه المسلمون ركب على فرس كان قد أعدها له، و أركب امرأته النوار على بعير له، ثم انهزم بها الى الشام و تفرق جمعه، و قد قتل اللَّه طائفة ممن كان معه، فلما أوقع اللَّه بطليحة و فزارة ما أوقع، قالت بنو عامر و سليم و هوازن: ندخل فيما خرجنا منه، و نؤمن باللَّه و رسوله، و نسلّم لحكمه في أموالنا و أنفسنا* قلت: و قد كان طليحة الأسدي ارتد في حياة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فلما مات رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قام بمؤازرته عيينة بن حصن من بدر، و ارتد عن الإسلام، و قال لقومه: و اللَّه لنبي من بنى أسد أحب الى من نبي من بنى هاشم، و قد مات محمد و هذا طليحة فاتبعوه، فوافق قومه بنو فزارة على ذلك، فلما كسرهما خالد هرب طليحة بامرأته إلى الشام، فنزل على بنى كلب، و أسر خالد عيينة بن حصن، و بعث به إلى المدينة مجموعة يداه إلى عنقه، فدخل المدينة و هو كذلك فجعل الولدان و الغلمان يطعنونه بأيديهم، و يقولون: أي عدو اللَّه، ارتددت عن الإسلام؟ فيقول:
و اللَّه ما كنت آمنت قط، فلما وقف بين يدي الصديق استتابه و حقن دمه، ثم حسن إسلامه بعد ذلك، و كذلك منّ على قرة بن هبيرة، و كان أحد الأمراء مع طليحة، فأسره مع عيينة، و أما طليحة فأنه راجع الإسلام بعد ذلك أيضا، و ذهب إلى مكة معتمرا أيام الصديق، و استحيى أن يواجهه مدة حياته، و قد رجع فشهد القتال مع خالد، و كتب الصديق الى خالد: أن استشره في الحرب و لا تؤمره- يعنى معاملته له بنقيض ما كان قصده من الرئاسة في الباطن- و هذا من فقه الصديق رضى اللَّه عنه و أرضاه، و قد قال خالد بن الوليد لبعض أصحاب طليحة ممن أسلم و حسن إسلامه: أخبرنا عما كان يقول لكم طليحة من الوحي، فقال: إنه كان يقول: الحمام و اليمام و الصرد و الصوام، قد صمن قبلكم بأعوام ليبلغن ملكنا العراق و الشام، إلى غير ذلك من الخرافات و الهذيانات السمجة* و قد كتب أبو بكر الصديق الى خالد بن الوليد حين جاءه أنه كسر طليحة و من كان في صفه و قام بنصره فكتب اليه: ليزدك ما أنعم اللَّه به خيرا و اتّق اللَّه في أمرك، فان اللَّه مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون، جد في أمرك و لا تلن و لا تظفر بأحد من المشركين قتل من المسلمين الا نكلت به، و من أخذت ممن حاد اللَّه أو ضاده ممن يرى أن في ذلك صلاحا فأقتله* فأقام خالد بنراخة شهرا،