البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٤ - فصل في تنفيذ جيش أسامة بن زيد
فصل في تنفيذ جيش أسامة بن زيد
الذين كانوا قد أمرهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بالمسير الى تخوم البلقاء من الشام، حيث قتل زيد بن حارثة، و جعفر و ابن رواحة: فيغتزوا على تلك الأراضي، فخرجوا إلى الجرف فخيموا به، و كان بينهم عمر بن الخطاب، و يقال: و أبو بكر الصديق فاستثناه رسول اللَّه منهم للصلاة، فلما ثقل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أقاموا هنالك، فلما مات عظم الخطب و اشتد الحال و نجم النفاق بالمدينة، و ارتد من ارتد من أحياء العرب حول المدينة، و امتنع آخرون من أداء الزكاة إلى الصديق، و لم يبق للجمعة مقام في بلد سوى مكة و المدينة، و كانت جواثا من البحرين أول قرية أقامت الجمعة بعد رجوع الناس الى الحق كما في صحيح البخاري عن ابن عباس كما سيأتي، و قد كانت ثقيف بالطائف ثبتوا على الإسلام، لم يفروا و لا ارتدوا، و المقصود أنه لما وقعت هذه الأمور أشار كثير من الناس على الصديق أن لا ينفذ جيش أسامة لاحتياجه إليه فيما هو أهم، لأن ما جهز بسببه في حال السلامة، و كان من جملة من أشار بذلك عمر بن الخطاب، فامتنع الصديق من ذلك، و أبى أشد الإباء، إلا أن ينفذ جيش أسامة، و قال: و اللَّه لا أحل عقدة عقدها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و لو أن الطير تخطفنا، و السباع من حول المدينة و لو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة و آمر الحرس يكونون حول المدينة فكان خروجه في ذلك الوقت من أكبر المصالح و الحالة تلك، فساروا لا يمرون بحي من أحياء العرب إلا أرعبوا منهم، و قالوا: ما خرج هؤلاء من قوم إلا و بهم منعة شديدة، فقاموا أربعين يوما و يقال سبعين يوما، ثم أتوا سالمين غانمين، ثم رجعوا فجهزهم حينئذ مع الاحياء الذين أخرجهم لقتال المرتدة، و مانعي الزكاة على ما سيأتي تفصيله، قال سيف بن عمر: عن هشام بن عروة عن أبيه قال:
لما بويع أبو بكر و جمع الأنصار في الأمر الّذي افترقوا فيه، قال: ليتم بعث أسامة و قد ارتدت العرب إما عامة و إما خاصة، في كل قبيلة، و نجم النفاق و اشرأبت اليهودية و النصرانية، و المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية، لفقد نبيهم (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قلتهم و كثرة عدوهم، فقال له الناس: إن هؤلاء جل المسلمين و العرب على ما ترى قد انتقصت بك، و ليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين، فقال: و الّذي نفس أبى بكر بيده لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و لو لم يبق في القرى غيري لأنفذته* و قد روى هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، و من حديث القاسم و عمرة عن عائشة قالت: لما قبض رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ارتدت العرب قاطبة و أشربت النفاق، و اللَّه لقد نزل بى ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها، و صار أصحاب محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)