البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٣ - خلافة أبى بكر الصديق رضى اللَّه عنه و ما كان في أيامه من الحوادث و الأمور
التميمي عن أبى ضمرة عن أبيه عن عاصم بن عدي، قال نادى منادى أبى بكر من الغد من متوفى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ليتمم بعث أسامة: ألا لا يبقين بالمدينة أحد من جيش أسامة إلا خرج إلى عسكره بالجرف، و قام أبو بكر في الناس فحمد اللَّه و أثنى عليه، و قال: أيها الناس إنما أنا مثلكم و انى لعلكم تكافوننى ما كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يطيق، إن اللَّه اصطفى محمدا على العالمين، و عصمه من الآفات، و إنما أنا متبع و لست بمبتدع، فان استقمت فبايعوني، و إن زغت فقوموني، و إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قبض و ليس أحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة ضربة سوط فما دونها، و إن لي شيطانا يعتريني فإذا أتانى فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم و أبشاركم، و إنكم تغدون و تروحون في أجل قد غيب عنكم علمه، و إن استطعتم أن لا يمضى إلا و أنتم في عمل صالح فافعلوا، و لن تستطيعوا ذلك الا باللَّه، و سابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال، فان قوما نسوا آجالهم و جعلوا أعمالهم بعدهم، فإياكم أن تكونوا أمثالهم، الجد الجد، النجاة النجاة، الوحا الوحا فان وراءكم طالبا حثيثا، و أجلا أمره سريع، احذروا الموت، و اعتبروا بالآباء و الأبناء و الأخوان، و لا تطيعوا الأحياء إلا بما تطيعوا به الأموات، قال: و قام أيضا فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال: إن اللَّه لا يقبل من الأعمال إلا ما أريد به وجهه، فأريدوا اللَّه بأعمالكم، فأنما أخلصتم لحين فقركم و حاجتكم، اعتبروا عباد اللَّه بمن مات منكم، و تفكروا فيمن كان قبلكم، أين كانوا أمس، و أين هم اليوم، أين الجبارون الذين كان لهم ذكر القتال و الغلبة في مواطن الحروب، قد تضعضع بهم الدهر، و صاروا رميما، قد تولت عليهم العالات، الخبيثات للخبيثين، و الخبيثون للخبيثات، و أين الملوك الذين أثاروا الأرض و عمروها؟ قد بعدوا و نسي ذكرهم، و صاروا كلا شيء، الا أن اللَّه عز و جل قد أبقى عليهم التبعات، و قطع عنهم الشهوات، و مضوا و الأعمال أعمالهم، و الدنيا دنيا غيرهم، و بعثنا خلفا بعدهم، فان نحن اعتبرنا بهم نجونا، و إن انحدرنا كنا مثلهم، أين الوضاءة الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم؟ صاروا ترابا، و صار ما فرطوا فيه حسرة عليهم، أين الذين بنوا المدائن و حصنوها بالحوائط، و جعلوا فيها الأعاجيب؟ قد تركوها لمن خلفهم، فتلك مساكنهم خاوية و هم في ظلمات القبور، هل (تحسّ منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا)؟ أين من تعرفون من آبائكم و إخوانكم، قد انتهت بهم آجالهم، فوردوا على ما قدموا فحلوا عليه و أقاموا للشقوة أو السعادة بعد الموت، ألا إن اللَّه لا شريك له ليس بينه و بين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيرا، و لا يصرف به عنه سوءا، إلا بطاعته و اتباع أمره، و اعلموا أنكم عبيد مدينون، و أن ما عنده لا يدرك إلا بطاعته أما آن لأحدكم أن تحسر عنه النار و لا تبعد عنه الجنة؟.