البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٦ - قصة أخرى
البيت ليس فيه سراج، و إذا هي جالسة بيدها عود تنكت في الأرض به، فقال لها: مالك؟ فقالت الناس بخير، و أنت لو أتيت معاوية فيأمر لنا بخادم و يعطيك شيئا تعيش به، فقال: اللَّهمّ من أفسد عليّ أهلي فأعم بصره، قال: و كانت أتتها امرأة فقالت لامرأة أبى مسلم: لو كلمت زوجك ليكلم معاوية فيخدمكم و يعطيكم؟ قال: فبينما هذه المرأة في منزلها و السراج مزهر، إذ أنكرت بصرها، فقالت: سراجكم طفئ؟ قالوا: لا، قالت: إن اللَّه أذهب بصرى، فأقبلت كما هي إلى أبى مسلم فلم تزل تناشده و تتلطف إليه، فدعا اللَّه فرد بصرها، و رجعت امرأته على حالها التي كانت عليها* و أما قصة المائدة التي قال اللَّه تعالى: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَ نَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَ نَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ* قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَ آخِرِنا وَ آيَةً مِنْكَ وَ ارْزُقْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ* قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ و قد ذكرنا في التفسير بسط ذلك و اختلاف المفسرين فيها هل نزلت أم لا على قولين، و المشهور عن الجمهور أنها نزلت، و اختلفوا فيما كان عليها من الطعام على أقوال، و ذكر أهل التاريخ أن موسى بن نصير، الّذي فتح البلاد المغربية أيام بنى أمية وجد المائدة، و لكن قيل: إنها مائدة سليمان بن داود مرصعة بالجواهر و هي من ذهب فأرسل بها إلى الوليد بن عبد الملك فكانت عنده حتى مات، فتسلمها أخوه سليمان، و قيل: إنها مائدة عيسى* لكن يبعد هذا أن النصارى لا يعرفون المائدة كما قاله غير واحد من العلماء و اللَّه أعلم* و المقصود أن المائدة سواء كانت قد نزلت أم لم تنزل [١] و قد كانت موائد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) تمد من السماء و كانوا يسمعون تسبيح الطعام و هو يؤكل بين يديه، و كم قد أشبع من طعام يسير ألوفا و مئات و عشرات (صلى اللَّه عليه و سلم) ما تعاقبت الأوقات، و ما دامت الأرض و السموات* و هذا أبو مسلم الخولانيّ، و قد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمته من تاريخه أمرا عجيبا و شأنا غريبا، حيث روى من طريق إسحاق بن يحيى الملطي عن الأوزاعي قال: أتى أبا مسلم الخولانيّ نفر من قومه فقالوا: يا أبا مسلم أما تشتاق إلى الحج؟ قال: بلى لو أصبت لي أصحابا، فقالوا: نحن أصحابك، قال: لستم لي بأصحاب، إنما أصحابى قوم لا يريدون الزاد و لا المزاد، فقالوا: سبحان اللَّه، و كيف يسافر أقوام بلا زاد و لا مزاد؟ قال لهم: ألا ترون إلى الطير تغدو و تروح بلا زاد و لا مزاد و اللَّه يرزقها؟ و هي لا تبيع و لا تشترى، و لا تحرث و لا تزرع و اللَّه يرزقها؟ قال: فقالوا: فأنا نسافر معك، قال: فهبوا على بركة اللَّه تعالى، قال: فغدوا من غوطة دمشق ليس معهم زاد و لا مزاد، فلما انتهوا إلى المنزل قالوا: يا أبا مسلم
[١] كذا و الظاهر أن فيه سقطا.