البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩ - حديث أم معبد في ذلك
القطط، و لا بالسبط، كان جعدا رجلا و لم يكن بالمطهم و لا المكلثم، و كان في الوجه تدوير أبيض مشربا أدعج العينين أهدب الأشفار جليل المشاش و الكتد، أجرد ذو مسربة، شثن الكفين و القدمين إذا مشى تقلع كأنما يمشى في صبب و إذا التفت التفت معا، بين كتفيه خاتم النبوة، أجود الناس كفا و أرحب الناس صدرا، و أصدق الناس لهجة، و أو في الناس ذمة، و ألينهم عريكة، و ألزمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، و من خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته لم أر قبله و لا بعده مثله* و قد روى هذا الحديث الامام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الغريب* ثم روى عن الكسائي و الأصمعي و أبى عمرو تفسير غريبه، و حاصل ما ذكره مما فيه غرابة: أن المطهم هو الممتلئ الجسم، و المكلثم شديد تدوير الوجه. يعنى لم يكن بالسمين الناهض، و لم يكن ضعيفا بل كان بين ذلك، و لم يكن وجهه في غاية التدوير بل فيه سهولة، و هي أحلى عند العرب و من يعرف، و كان أبيض مشربا حمرة و هي أحسن اللون، و لهذا لم يكن أمهق اللون، و الأدعج هو شديد سواد الحدقة، و جليل المشاش هو عظيم رءوس العظام مثل الركبتين و المرفقين و المنكبين، و الكتد الكاهل و ما يليه من الجسد و قوله: شثن الكفين أي: غليظهما، و تقلع في مشيته، أي شديد المشية، و تقدم الكلام على الشّكلة و الشُّهلة و الفرق بينهما، و الاهدب طويل أشفار العين، و جاء في حديث أنه كان شبح الذراعين، يعنى غليظهما و اللَّه تعالى أعلم.
حديث أم معبد في ذلك
قد تقدم الحديث بتمامه في الهجرة من مكة إلى المدينة حين ورد عليها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و معه أبو بكر و مولاه عامر بن فهيرة و دليلهم عبد اللَّه بن أريقط الديليّ، فسألوها: هل عندها لبن أو لحم يشترونه منها؟ فلم يجدوا عندها شيئا، و قالت: لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى، و كانوا ممحلين
فنظر إلى شاة في كسر خيمتها فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ فقالت خلفها الجهد، فقال: أ تأذنين أن أحلبها؟ فقالت: إن كان بها حلب فاحلبها، فدعا بالشاة فمسحها و ذكر اسم اللَّه،
فذكر الحديث في حلبة منها ما كفاهم أجمعين ثم حلبها و ترك عندها إناءها ملأى و كان يربض الرهط، فلما جاء بعلها استنكر اللبن و قال: من أين لك هذا يا أم معبد و لا حلوبة في البيت و الشاء عازب؟ فقالت: لا و اللَّه إنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت و كيت، فقال: صفيه لي فو اللَّه إني لأراه صاحب قريش الّذي تطلب فقالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة حسن الخلق، مليح الوجه، لم تعبه ثجلة، و لم تزر به صعلة، قسيم وسيم، في عينيه دعج، و في أشفاره وطف، و في صوته صحل، أحور، أكحل، أزج، أقرن، في عنقه سطع، و في لحيته كثاثة، إذا صمت فعليه الوقار، و إذا تكلم سما و علاه البهاء، حلو المنطق، فصل لا نزر و لا هذر، كأن منطقه خرزات نظم ينحدرن، أبهى الناس و أجمله من بعيد،