البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧١ - القول فيما أوتى إبراهيم الخليل (عليه السلام)
الّذي قاله غريب، و الحجب التي ذكرها لإبراهيم (عليه السلام) لا أدرى ما هي، كيف و قد ألقاه في النار التي نجاه اللَّه منها، و أما ما ذكره من الحجب التي استدل عليها بهذه الآيات، فقد قيل: إنها جميعها معنوية لا حسية، بمعنى أنهم مصرفون عن الحق، لا يصل إليهم، و لا يخلص إلى قلوبهم، كما قال تعالى: وَ قالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَ فِي آذانِنا وَقْرٌ وَ مِنْ بَيْنِنا وَ بَيْنِكَ حِجابٌ و قد حررنا ذلك في التفسير، و قد ذكرنا في السيرة و في التفسير أن أم جميل امرأة أبى لهب، لما نزلت السورة في ذمها و ذم زوجها، و دخولهما النار، و خسارهما، جاءت بفهر- و هو الحجر الكبير- لترجم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فانتهت إلى أبى بكر و هو جالس عند النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فلم تر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قالت لأبى بكر: أين صاحبك؟ فقال: و ما له؟ فقالت: إنه هجاني، فقال: ما هجاك، فقالت: و اللَّه لئن رأيته لأضربنه بهذا الفهر، ثم رجعت و هي تقول: مذممّا أتينا* و دينه قلينا* و كذلك حجب و منع أبا جهل حين هم أن يطأ برجله رأس النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو ساجد، فرأى جدثا من نار و هولا عظيما و أجنحة الملائكة دونه، فرجع القهقرى و هو يتقى بيديه،
فقالت له قريش: مالك، ويحك؟ فأخبرهم بما رأى، و قال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): لو أقدم لاختطفته الملائكة عضوا عضوا*
و كذلك لما خرج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ليلة الهجرة و قد أرصدوا على مدرجته و طريقه، و أرسلوا إلى بيته رجالا يحرسونه لئلا يخرج، و متى عاينوه قتلوه، فأمر عليا فنام على فراشه، ثم خرج عليهم و هم جلوس، فجعل يذر على رأس كل إنسان منهم ترابا و يقول: شاهت الوجوه، فلم يروه حتى صار هو و أبو بكر الصديق إلى غار ثور، كما بسطنا ذلك في السيرة، و كذلك ذكرنا أن العنكبوت سد على باب الغار ليعمى اللَّه عليهم مكانه،
و في الصحيح أن أبا بكر قال: يا رسول اللَّه، لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين اللَّه ثالثهما؟
و قد قال بعض الشعراء في ذلك:
نسج داود ما حمى صاحب الغار* * * و كان الفخار للعنكبوت
و كذلك حجب و منع من سراقة بن مالك بن جعشم حين اتبعهم، بسقوط قوائم فرسه في الأرض حتى أخذ منه أمانا كما تقدم بسطه في الهجرة* و ذكر ابن حامد في كتابه في مقابلة إضجاع إبراهيم (عليه السلام) ولده للذبح مستسلما لأمر اللَّه تعالى، ببذل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) نفسه للقتل يوم أحد و غيره حتى نال منه العدو ما نالوا، من هشم رأسه، و كسر ثنيته اليمنى السفلى، كما تقدم بسط ذلك في السيرة* ثم قال: قالوا: كان إبراهيم (عليه السلام) ألقاه قومه في النار فجعلها اللَّه بردا و سلاما، قلنا:
و قد أوتى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مثله، و ذلك أنه لما نزل بخيبر سمته الخيبرية، فصير ذلك السم في جوفه بردا و سلاما إلى منتهى أجله، و السم عرق إذ لا يستقر في الجوف كما تحرق النار* قلت: و قد تقدم الحديث بذلك في فتح خيبر، و يؤيد ما قاله أن بشر بن البراء بن معرور مات سريعا من تلك