البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٠ - القول فيما أوتى إبراهيم الخليل (عليه السلام)
فلم يتعرض لأسناده أبو نعيم، و قد قال هشام بن عمار في كتابه المبعث:
حدثنا يحيى بن حمزة الحضرميّ و عثمان بن علان القرشي، قالا: حدثنا عروة بن رويم اللخمي أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: إن اللَّه أدرك بى الأجل المرقوم و أخذنى لقربه، و احتضرنى احتضارا، فنحن الآخرون، و نحن السابقون يوم القيامة، و أنا قائل قولا غير فخر: إبراهيم خليل اللَّه، و موسى صفى اللَّه، و أنا حبيب اللَّه، و أنا سيد ولد آدم يوم القيامة و أن بيدي لواء الحمد، و أجارنى اللَّه عليكم من ثلاث أن لا يهلككم بسنة، و أن يستبيحكم عدوكم، و أن لا تجمعوا على ضلالة*
و أما الفقيه أبو محمد عبد اللَّه بن حامد فتكلم على مقام الخلة بكلام طويل إلى أن قال: و يقال: الخليل الّذي يعبد ربه على الرغبة و الرهبة، من قوله: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ من كثرة ما يقول: أواه، و الحبيب الّذي يعبد ربه على الرؤية و المحبة، و يقال:
الخليل الّذي يكون معه انتظار العطاء، و الحبيب الّذي يكون معه انتظار اللقاء، و يقال: الخليل الّذي يصل بالواسطة من قوله: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ و الحبيب الّذي يصل إليه من غير واسطة، من قوله: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى و قال الخليل:
الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ و قال اللَّه للحبيب محمد (صلى اللَّه عليه و سلم): لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ و قال الخليل: وَ لا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ و قال اللَّه للنّبيّ: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ و قال الخليل حين ألقى في النار: حسبي اللَّه و نعم الوكيل و قال اللَّه لمحمد: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ و قال الخليل: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ و قال اللَّه لمحمد: وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى و قال الخليل: وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ و قال اللَّه لمحمد: وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ و قال الخليل: وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ و قال اللَّه للحبيب:
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً و قال الخليل: وَ اجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ و قال اللَّه لمحمد: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ* و ذكر أشياء أخر، و سيأتي الحديث
في صحيح مسلّم عن أبىّ بن كعب أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: إني سأقوم مقاما يوم القيامة يرغب إلى الخلق كلهم حتى أبوهم إبراهيم الخليل*
فدل على أنه أفضل إذ هو يحتاج إليه في ذلك المقام، و دل على أن إبراهيم أفضل الخلق بعده، و لو كان أحد أفضل من إبراهيم بعده لذكره* ثم قال أبو نعيم: فأن قيل: إن إبراهيم (عليه السلام) حجب عن نمروذ بحجب ثلاثة، قيل: فقد كان كذلك و حجب محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) عمن أرادوه بخمسة حجب، قال اللَّه تعالى في أمره: وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ فهذه ثلاث، ثم قال: وَ إِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ثم قال: فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ فهذه خمس حجب* و قد ذكر مثله سواء الفقيه أبو محمد بن حامد، و ما أدرى أيهما أخذ من الآخر و اللَّه أعلم* و هذا