البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٨ - باب البينة على ذكر معجزات لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مماثلة لمعجزات جماعة من الأنبياء قبله، و أعلى منها،
لان الولي إنما نال ذلك ببركة متابعته لنبيه، و ثواب إيمانه* و المقصود أنه كان الباعث لي على عقد هذا الباب أنى وقفت على مولد اختصره من سيرة الامام محمد بن إسحاق بن يسار و غيرهما شيخنا الإمام العلامة شيخ الإسلام كمال الدين أبو المعالي محمد بن على الأنصاري السماكى، نسبه إلى أبى دجانة الأنصاري سماك بن حرب بن حرشة الأوسي، رضى اللَّه عنه، شيخ الشافعية في زمانه بلا مدافعة، المعروف بابن الزملكانى عليه رحمة اللَّه، و قد ذكر في أواخره شيئا من فضائل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و عقد فصلا في هذا الباب فأورد فيه أشياء حسنة، و نبه على فوائد جمة، و فوائد مهمة، و ترك أشياء أخرى حسنة، ذكرها غيره من الائمة المتقدمين، و لم أره استوعب الكلام إلى آخره، فأما أنه قد سقط من خطه، أو أنه لم يكمل تصنيفه، فسألني بعض أهله من أصحابنا ممن تتأكد إجابته، و تكرر ذلك منه، في تكميله و تبويبه و ترتيبه، و تهذيبه، و الزيادة عليه و الإضافة إليه، فاستخرت اللَّه حينا من الدهر، ثم نشطت لذلك ابتغاء الثواب و الأجر، و قد كنت سمعت من شيخنا الإمام العلامة الحافظ، أبى الحجاج المزي تغمده اللَّه برحمته، أن أول من تكلم في هذا المقام الإمام أبو عبد اللَّه محمد بن إدريس الشافعيّ رضى اللَّه عنه، و قد روى الحافظ أبو بكر البيهقي (رحمه اللَّه) في كتابه دلائل النبوة، عن شيخه الحاكم أبى عبد اللَّه، أخبرنى أبو أحمد بن أبى الحسن، أنا عبد الرحمن بن أبى حاتم الرازيّ عن أبيه، قال عمر بن سوار: قال الشافعيّ: مثل ما أعطى اللَّه نبيا ما أعطى محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقلت: أعطى عيسى إحياء الموتى، فقال: أعطى محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) الجذع الّذي كان يخطب إلى جنبه حين بنى له المنبر حنّ الجذع حتى سمع صوته، فهذا أكبر من ذلك، هذا لفظه رضى اللَّه عنه* و المراد من إيراد ما نذكره في هذا الباب، البينة على ما أعطى اللَّه أنبياءه (عليهم السلام) من الآيات البينات، و الخوارق القاطعات، و الحجج الواضحات، و أن اللَّه جمع لعبده و رسوله سيد الأنبياء و خاتمهم من جميع أنواع المحاسن و الآيات، مع ما اختصه اللَّه به مما لم يؤت أحدا قبله، كما ذكرنا في خصائصه و شمائله (صلى اللَّه عليه و سلم)، و وقفت على فصل مليح في هذا المعنى، في كتاب دلائل النبوة للحافظ أبى نعيم، أحمد بن عبد اللَّه الأصبهاني، و هو كتاب حافل في ثلاث مجلدات، عقد فيه فصلا في هذا المعنى، و كذا ذكر ذلك الفقيه أبو محمد عبد اللَّه بن حامد، في كتابه دلائل النبوة، و هو كتاب كبير جليل حافل، مشتمل على فرائد نفيسة* و كذا الصرصرى الشاعر يورد في بعض قصائده أشياء من ذلك كما سيأتي* و ها أنا أذكر بعون اللَّه مجامع ما ذكرنا من هذه الأماكن المتفرقة بأوجز عبارة، و أقصر إشارة، و باللَّه المستعان، و عليه التكلان، و لا حول و لا قوة إلا باللَّه العزيز الحكيم.
القول فيما أوتى نوح (عليه السلام) قال اللَّه تعالى: فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ، وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ