البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٢ - الاخبار بمقتل الحسين بن على رضى اللَّه عنهما
على قد توجه إلى العراق، فلحقه على مسيرة ليلتين أو ثلاث من المدينة، قال: أين تريد؟ قال العراق و معه طوامير و كتب، فقال: لا تأتهم، فقال: هذه كتبهم و بيعتهم، فقال: إن اللَّه خير نبيه (صلى اللَّه عليه و سلم) بين الدنيا و الآخرة، فاختار الآخرة و لم يرد الدنيا، و إنكم بضعة من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و اللَّه لا يليها أحد منكم أبدا، و ما صرفها عنكم إلى الّذي هو خير منكم، فارجعوا، فأبى و قال: هذه كتبهم و بيعتهم، قال: فاعتنقه ابن عمر و قال: أستودعك اللَّه من قتيل، و قد وقع ما فهمه عبد اللَّه بن عمر من ذلك سواء، من أنه لم يل أحد من أهل البيت الخلافة على سبيل الاستقلال و يتم له الأمر، و قد قال ذلك عثمان بن عفان، و على بن أبى طالب إنه لا يلي أحد من أهل البيت أبدا* و رواه عنهما أبو صالح الخليل بن أحمد بن عيسى بن الشيخ في كتابه الفتن و الملاحم. قلت: و أما الخلفاء الفاطميون الذين كانوا بالديار المصرية، فان أكثر العلماء على أنهم أدعياء و على بن أبى طالب ليس من أهل البيت، و مع هذا لم يتم له الأمر كما كان للخلفاء الثلاثة قبله، و لا اتسعت يده في البلاد كلها، ثم تنكدت عليه الأمور، و أما ابنه الحسن رضى اللَّه عنه فإنه لما جاء في جيوشه و تصافى هو و أهل الشام، و رأى أن المصلحة في ترك الخلافة، تركها للَّه عز و جل، و صيانة لدماء المسلمين، أثابه اللَّه و رضى اللَّه عنه، و أما الحسين رضى اللَّه عنه فأن ابن عمر لما أشار عليه بترك الذهاب إلى العراق و خالفه، اعتنقه مودعا و قال: أستودعك اللَّه من قتيل، و قد وقع ما تفرسه ابن عمر، فإنه لما استقل ذاهبا بعث إليه عبيد اللَّه بن زياد بكتيبة فيها أربعة آلاف يتقدمهم عمرو بن سعد ابن أبى وقاص، و ذلك بعد ما استعفاه فلم يعفه، فالتقوا بمكان يقال له كربلاء بالطف، فالتجأ الحسين ابن على و أصحابه إلى مقصبة هنالك، و جعلوها منهم بظهر، و واجهوا أولئك، و طلب منهم الحسين إحدى ثلاث: إما أن يدعوه يرجع من حيث جاء، و إما أن يذهب إلى ثغر من الثغور فيقاتل فيه، أو يتركوه حتى يذهب إلى يزيد بن معاوية فيضع يده في يده. فيحكم فيه بما شاء، فأبوا عليه واحدة منهن، و قالوا: لا بد من قدومك على عبيد اللَّه بن زياد فيرى فيك رأيه، فأبى أن يقدم عليه أبدا، و قاتلهم دون ذلك، فقتلوه (رحمه اللَّه)، و ذهبوا برأسه إلى عبيد اللَّه بن زياد فوضعوه بين يديه، فجعل ينكت بقضيب في يده على ثناياه، و عنده أنس بن مالك جالس، فقال له: يا هذا، ارفع قضيبك، قد طال ما رأيت رسول اللَّه يقبل هذه الثنايا، ثم أمر عبيد اللَّه بن زياد أن يسار بأهله و من كان معه إلى الشام، إلى يزيد بن معاوية، و يقال: إنه بعث معهم بالرأس حتى وضع بين يدي يزيد فأنشد حينئذ قول بعضهم:
نفلق هاما من رجال أعزة* * * علينا و هم كانوا أعق و أظلما
ثم أمر بتجهيزهم إلى المدينة النبويّة، فلما دخلوها تلقتهم امرأة من بنات عبد المطلب ناشرة