البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٤ - ذكر إخباره (صلى اللَّه عليه و سلم) عن الفتن الواقعة في آخر أيام عثمان بن عفان و في خلافة على بن أبى طالب رضى اللَّه عنهما
قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): من سره أن ينظر إلى رجل يسبقه بعض أعضائه إلى الجنة فلينظر إلى زيد بن صوحان،
قلت: قتل زيد هذا في وقعة الجمل من ناحية على*
و ثبت في الصحيحين من حديث همام بن منية عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة* و رواه البخاري أيضا عن أبى اليمان عن شعيب عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة مثله* و رواه البخاري أيضا عن أبى اليمان عن شعيب عن الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة
* و هاتان الفئتان هما أصحاب الجمل، و أصحاب صفين، فإنهما جميعا يدعون إلى الإسلام، و إنما يتنازعون في شيء من أمور الملك، و مراعاة المصالح العائد نفعها على الأمة و الرعايا، و كان ترك القتال أولى من فعله، كما هو مذهب جمهور الصحابة كما سنذكره* و قال يعقوب بن سفيان:
ثنا أبو اليمان، ثنا صفوان بن عمرو قال: كان أهل الشام ستين ألفا، فقتل منهم عشرون ألفا، و كان أهل العراق مائة و عشرين ألفا، فقتل منهم أربعون ألفا، و لكن كان على و أصحابه أدنى الطائفتين إلى الحق من أصحاب معاوية، و أصحاب معاوية كانوا باغين عليهم،
كما ثبت في صحيح مسلّم من حديث شعبة عن أبى سلمة عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدريّ قال: حدثني من هو خير منى- يعنى أبا قتادة- أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لعمار: تقتلك الفئة الباغية*
و رواه أيضا من حديث ابن علية عن ابن عون عن الحسن عن أمه عن أم سلمة قالت: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): يقتل عمارا الفئة الباغية، و في رواية: و قاتله في النار*
و قد تقدم الحديث بطرقه عند بناء المسجد النبوي في أول الهجرة النبويّة، و ما يزيده بعض الرافضة في هذا الحديث من قولهم بعد: لا أنالها اللَّه شفاعتي يوم القيامة، فليس له أصل يعتمد عليه، بل هو من اختلاق الروافض قبحهم اللَّه*
و قد روى البيهقي من حديث أبى عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن مولاة لعمار قالت: اشتكى عمار شكوى أرق منها، فغشى عليه فأفاق و نحن نبكي حوله، فقال: ما تبكون؟ أ تخشون أن أموت على فراشي؟ أخبرنى حبيبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه تقتلني الفئة الباغية، و أن آخر زادي من الدنيا مذقة لبن*
و قال الامام أحمد: حدثني وكيع، ثنا سفيان عن حبيب بن أبى ثابت عن أبى البختري قال: قال عمار يوم صفين: ائتوني بشربة لبن، فأن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن، فشربها ثم تقدم فقتل*
و حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن حبيب عن أبى البختري، أن عمار بن ياسر أتى بشربة لبن فضحك و قال: إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لي: آخر شراب أشربه لبن حين أموت
* و روى البيهقي من حديث عمار الذهبي عن سالم بن أبى الجعد عن ابن مسعود سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق*
و معلوم أن عمارا كان في جيش على يوم صفين، و قتله أصحاب معاوية من أهل الشام، و كان الّذي تولى قتله رجل يقال له أبو الفادية، رجل من أفناد الناس، و قيل: