البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٩ - فصل
إليك رسولا فيبلغك؟ فيقول: بلى، فيقول: أ لم أعطك مالا [و ولدا] و أفضلت عليك؟ فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، و ينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم، قال عدي: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: اتقوا النار و لو بشق تمرة، فأن لم تجد فبكلمة طيبة،
قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة فلا تخاف إلا اللَّه عز و جل، و كنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، و لئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم (صلى اللَّه عليه و سلم) يخرج ملء كفه* ثم رواه البخاري عن عبيد اللَّه بن محمد- هو أبو بكر بن أبى شيبة- عن أبى عاصم النبيل عن سعد بن بشر عن أبى مجاهد- سعد الطائي- عن محل عنه به، و قد تفرد به البخاري من هذين الوجهين، و رواه النسائي من حديث شعبة عن محل عنه: اتقوا النار و لو بشق تمرة* و قد رواه البخاري من حديث شعبة، و مسلم من حديث زهير، كلاهما عن أبى إسحاق عن عبد اللَّه بن مغفل عن عدي مرفوعا اتقوا النار و لو بشق تمرة* و كذلك أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش عن خيثمة عن عبد الرحمن عن عدي، و فيها من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن خيثمة عن عدي به* و هذه كلها شواهد لأصل هذا الحديث الّذي أوردناه، و قد تقدم في غزوة الخندق الأخبار بفتح مدائن كسرى و قصوره و قصور الشام و غير ذلك من البلاد*
و قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، ثنا إسماعيل عن قيس عن خباب قال: أتينا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو في ظل الكعبة متوسدا بردة له، فقلنا: يا رسول اللَّه، ادع اللَّه لنا و استنصره، قال: فاحمر لونه أو تغير، فقال: لقد كان من قبلكم تحفر له الحفيرة و يجاء بالميشار فيوضع على رأسه فيشق ما يصرفه عن دينه، و يمشط بأمشاط الحديد ما دون عظم أو لحم أو عصب ما يصرفه عن دينه، و ليتمّنّ اللَّه هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضرموت ما يخشى إلا اللَّه و الذئب على غنمه و لكنكم تعجلون* و هكذا رواه البخاري عن مسدد، و محمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبى خالد به*
ثم قال البخاري في كتاب علامات النبوة: حدثنا سعيد بن شرحبيل، ثنا ليث عن يزيد بن أبى حبيب عن أبى الحسين عن عتبة عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه خرج يوما فصلّى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: أنا فرطكم، و أنا شهيد عليكم، إني و اللَّه لأنظر إلى حوضي الآن، و إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، و إني و اللَّه ما أخاف بعدي أن تشركوا، و لكنى أخاف أن تنافسوا فيها* و قد رواه البخاري أيضا من حديث حيوة بن شريح، و مسلم من حديث يحيى بن أيوب، كلاهما عن يزيد بن أبى حبيب كرواية الليث عنه
* ففي هذا الحديث مما نحن بصدده أشياء، منها أنه أخبر الحاضرين أنه فرطهم، أي المتقدم عليهم في الموت، و هكذا وقع، فأن هذا كان في مرض موته (عليه السلام)، ثم أخبر أنه شهيد عليهم و إن تقدم وفاته