البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٧ - فصل
هذا الّذي يطوف بالكعبة؟ فقال سعد: أنا سعد، فقال أبو جهل: تطوف بالكعبة آمنا و قد آويتم محمدا و أصحابه؟ فقال: نعم، فتلاحيا بينهما، فقال أمية لسعد: لا ترفع صوتك على أبى الحكم فإنه سيد أهل الوادي، ثم قال سعد: و اللَّه لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعنّ متجرك بالشام، قال:
فجعل أمية يقول لسعد: لا ترفع صوتك، و جعل يمسكه، فغضب سعد فقال: دعنا عنك، فانى سمعت محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) يزعم أنه قاتلك، قال: إياي؟ قال: نعم، قال: و اللَّه ما يكذب محمد إذا حدث، فرجع إلى امرأته فقال: أما تعلمين ما قال لي أخى اليثربي؟ قالت: و ما قال لك؟ قال: زعم أنه سمع محمدا يزعم أنه قاتلي، قالت: فو اللَّه ما يكذب محمد، قال: فلما خرجوا إلى بدر و جاء الصريخ، قالت له امرأته: ما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: فأراد أن لا يخرج، فقال له أبو جهل: إنك من أشراف الوادي، فسر يوما أو يومين، فسار معهم فقتله اللَّه* و هذا الحديث من أفراد البخاري، و قد تقدم بأبسط من هذا السياق*
و من ذلك قصة أبىّ بن خلف الّذي كان يعلف حصانا له، فإذا مر برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: إني سأقتلك عليه، فيقول له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): بل أنا أقتلك إن شاء اللَّه،
فقتله يوم أحد كما قدمنا بسطه* و من ذلك إخباره عن مصارع القتلى يوم بدر كما تقدم الحديث في الصحيح أنه جعل يشير قبل الوقعة إلى محلها و يقول: هذا مصرع فلان غدا إن شاء اللَّه، و هذا مصرع فلان، قال: فو الّذي بعثه بالحق ما حاد أحد منهم عن مكانه الّذي أشار إليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)* و من ذلك قوله لذلك الرجل الّذي كان لا يترك للمشركين شاذة و لا فاذة إلا اتبعها ففراها بسيفه، و ذلك يوم أحد، و قيل: خيبر و هو الصحيح، و قيل: في يوم حنين، فقال الناس: ما أغنى أحد اليوم ما أغنى فلان، يقال: إنه قرمان، فقال: إنه من أهل النار، فقال بعض الناس: أنا صاحبه، فاتبعه فجرح فاستعجل الموت فوضع ذباب سيفه في صدره ثم تحامل عليه حتى أنفذه، فرجع ذلك الرجل فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أنك رسول اللَّه، فقال: و ما ذاك؟ فقال: إن الرجل الّذي ذكرت آنفا كان من أمره كيت و كيت، فذكر الحديث كما تقدم* و من ذلك إخباره عن فتح مدائن كسرى و قصور الشام و غيرها من البلاد يوم حفر الخندق، لما ضرب بيده الكريمة تلك الصخرة فبرقت من ضربه، ثم أخرى، ثم أخرى كما قدمناه* و من ذلك إخباره (صلى اللَّه عليه و سلم) عن ذلك الذراع أنه مسموم، فكان كما أخبر به، اعترف اليهود بذلك، و مات من أكل معه- بشر بن البراء بن معرور-*
و من ذلك ما ذكره عبد الرزاق عن معمر أنه بلغه أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال ذات يوم: اللَّهمّ نج أصحاب السفينة، ثم مكث ساعة، ثم قال: قد استمرت*
و الحديث بتمامه في دلائل النبوة للبيهقي، و كانت تلك السفينة قد أشرفت على الغرق و فيها الأشعريون الذين قدموا عليه و هو بخيبر* و من ذلك إخباره عن قبر أبى رغال، حين مرّ عليه و هو ذاهب إلى الطائف و أن معه غصنا من ذهب، فحفروه فوجدوه كما أخبر،