البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٥ - فصل
و تابعه المهاجرون و الأنصار، ثم كانت وقعة بدر فقتلت تلك النفوس، و كسرت تلك الرءوس، و قد كان (صلى اللَّه عليه و سلم) يعلم ذلك قبل كونه من إخبار اللَّه له بذلك، و لهذا قال سعد بن معاذ لأمية بن خلف:
أما إني سمعت محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) يذكر أنه قاتلك، فقال: أنت سمعته؟ قال: نعم، قال: فإنه و اللَّه لا يكذب، و سيأتي الحديث في بابه. و قد قدمنا أنه (عليه السلام) جعل يشير لأصحابه قبل الوقعة إلى مصارع القتلى، فما تعدى أحد منهم موضعه الّذي أشار إليه، (صلوات اللَّه و سلامه عليه)* و قال تعالى:
الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ* وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ و هذا الوعد وقع كما أخبر به، و ذلك أنه لما غلبت فارس الروم فرح المشركون، و اغتم بذلك المؤمنون، لأن النصارى أقرب إلى الإسلام من المجوس، فأخبر اللَّه رسوله (صلى اللَّه عليه و سلم) بأن الروم ستغلب الفرس بعد هذه المدة بسبع سنين، و كان من أمر مراهنة الصديق رءوس المشركين على أن ذلك سيقع في هذه المدة، ما هو مشهور كما قررنا في كتابنا التفسير، فوقع الأمر كما أخبر به القرآن، غلبت الروم فارس بعد غلبهم غلبا عظيما جدا، و قصتهم في ذلك يطول بسطها، و قد شرحناها في التفسير بما فيه الكفاية و للَّه الحمد و المنة* و قال تعالى سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ و كذلك وقع، أظهر اللَّه من آياته و دلائله في أنفس البشر و في الآفاق بما أوقعه من الناس بأعداء النبوة، و مخالفي الشرع ممن كذب به من أهل الكتابين، و المجوس و المشركين، ما دل ذوى البصائر و النّهى على أن محمدا رسول اللَّه حقا، و أن ما جاء به من الوحي عن اللَّه صدق، و قد أوقع له في صدور أعدائه و قلوبهم رعبا و مهابة و خوفا،
كما ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: نصرت بالرعب مسيرة شهر،
و هذا من التأييد و النصر الّذي آتاه اللَّه عز و جل، و كان عدوه يخافه و بينه و بينه مسيرة شهر، و قيل:
كان إذا عزم على غزو قوم أرعبوا قبل مجيئه إليهم، و وروده عليهم بشهر، (صلوات اللَّه و سلامه عليه) دائما إلى يوم الدين.
فصل
و أما الأحاديث الدالة على إخباره بما وقع كما أخبر، فمن ذلك ما أسلفناه في قصة الصحيفة التي تعاقدت فيها بطون قريش، و تمالئوا على بنى هاشم و بنى المطلب أن لا يؤووهم، و لا يناكحوهم، و لا يبايعوهم، حتى يسلموا إليهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فدخلت بنو هاشم و بنو المطلب، بمسلمهم و كافرهم شعب أبى طالب آنفين لذلك ممتنعين منه أبدا، ما بقوا دائما، ما تناسلوا و تعاقبوا، و في ذلك عمل