البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٨ - فصل
إسرائيل، و قص اللَّه خبره في ذلك فقال تعالى: وَ إِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فأخبار محمد (صلوات اللَّه و سلامه عليه) بأن ذكره موجود في الكتب المتقدمة، فيما جاء به من القرآن، و فيما ورد عنه من الأحاديث الصحيحة كما تقدم، و هو مع ذلك من أعقل الخلق باتفاق الموافق و المفارق، يدل على صدقه في ذلك قطعا، لأنه لو لم يكن واثقا بما أخبر به من ذلك، لكان ذلك من أشد المنفرات عنه، و لا يقدم على ذلك عاقل، و الغرض أنه من أعقل الخلق حتى عند من يخالفه، بل هو أعقلهم في نفس الأمر* ثم إنه قد انتشرت دعوته في المشارق و المغارب، و عمت دولة أمته في أقطار الآفاق عموما لم يحصل لأمة من الأمم قبلها، فلو لم يكن محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) نبيا، لكان ضرره أعظم من كل أحد، و لو كان كذلك لحذر عنه الأنبياء أشد التحذير، و لنفروا أممهم منه أشد التنفير، فإنهم جميعهم قد حذروا من دعاة الضلالة في كتبهم، و نهوا أممهم عن اتباعهم و الاقتداء بهم، و نصوا على المسيح الدجال، الأعور الكذاب، حتى قد أنذر نوح- و هو أول الرسل- قومه، و معلوم أنه لم ينص نبي من الأنبياء على التحذير من محمد، و لا التنفير عنه، و لا الأخبار عنه بشيء خلاف مدحه، و الثناء عليه، و البشارة بوجوده، و الأمر باتباعه، و النهى عن مخالفته، و الخروج من طاعته، قال اللَّه تعالى:
وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ، فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ قال ابن عباس رضى اللَّه عنهما: ما بعث اللَّه نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد و هو حي ليؤمنن به و لينصرنه، و أمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد و هم أحياء ليؤمنن به و ليتبعنه، رواه البخاري* و قد وجدت البشارات به (صلى اللَّه عليه و سلم) في الكتب المتقدمة و هي أشهر من أن تذكر، و أكثر من أن تحصر* و قد قدمنا قبل مولده (عليه السلام) طرفا صالحا من ذلك، و قررنا في كتاب التفسير عند الآيات المقتضية لذلك آثارا كثيرة، و نحن نورد هاهنا شيئا مما وجد في كتبهم التي يعترفون بصحتها، و يتدينون بتلاوتها، مما جمعه العلماء قديما و حديثا ممن آمن منهم، و اطلع على ذلك من كتبهم التي بأيديهم، ففي السفر الأول من التوراة التي بأيديهم في قصة إبراهيم الخليل (عليه السلام) ما مضمونه و تعريبه: إن اللَّه أوحى إلى إبراهيم (عليه السلام)، بعد ما سلمه من نار النمروذ: أن قم فاسلك الأرض مشارقها و مغاربها لولدك، فلما قص ذلك على سارة طمعت أن يكون ذلك لولدها منه، و حرصت على إبعاد هاجر و ولدها، حتى ذهب بهما الخليل إلى برية الحجاز و جبال فاران، و ظن إبراهيم (عليه السلام) أن هذه البشارة تكون لولده إسحاق، حتى أوحى اللَّه إليه ما مضمونه: أما ولدك إسحاق فإنه يرزق ذرية عظيمة، و أما ولدك إسماعيل فانى باركته و عظمته،