البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٦ - حديث آخر
و التحميم الّذي اصطلحوا عليه و ابتدعوه من عند أنفسهم، يعنى إن حكم لكم محمد بهذا فخذوه، (و إن لم تؤتوه فاحذروا)، يعنى و إن لم يحكم لكم بذلك فاحذروا قبوله، قال اللَّه تعالى وَ مَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ إلى أن قال وَ كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَ عِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ ما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ فذمهم اللَّه تعالى على سوء ظنهم و قصدهم بالنسبة إلى اعتقادهم في كتابهم، و أن فيه حكم اللَّه بالرجم، و هم مع ذلك يعلمون صحته، ثم يعدلون عنه إلى ما ابتدعوه من التحميم و التجبيه*
و قد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق عن الزهري قال: سمعت رجلا من مزينة يحدث سعيد بن المسيب أن أبا هريرة حدثهم فذكره، و عنده فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لابن صوريا: أنشدك باللَّه و أذكرك أيامه عند بنى إسرائيل، هل تعلم أن اللَّه حكم فيمن زنا بعد إحصانه بالرجم في التوراة؟
فقال: اللَّهمّ نعم، أما و اللَّه يا أبا القاسم إنهم يعرفون أنك نبيّ مرسل، و لكنهم يحسدونك، فخرج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأمر بهما فرجما عند باب مسجده في بنى تميم عند مالك بن النجار، قال: ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا، فأنزل اللَّه يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ الآيات*
و قد ورد ذكر عبد اللَّه بن صوريا الأعور في حديث ابن عمير و غيره بروايات صحيحة قد بيناها في التفسير.
حديث آخر
قال حماد بن سلمة: ثنا ثابت عن أنس أن غلاما يهوديا كان يخدم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فمرض فأتاه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يعوده، فوجد أباه عند رأسه يقرأ التوراة، فقال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): يا يهودي، أنشدك باللَّه الّذي أنزل التوراة على موسى، هل تجدون في التوراة نعتي و صفتي و مخرجي؟ فقال: لا، فقال الفتى: بلى و اللَّه يا رسول اللَّه، إنا نجد في التوراة نعتك و صفتك و مخرجك، و إني أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أنك رسول اللَّه، فقال النبي لأصحابه: أقيموا هذا من عند رأسه، و لوا أخاكم* و رواه البيهقي من هذا الوجه بهذا اللفظ.
حديث آخر
قال أبو بكر بن أبى شيبة، ثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبى عبيدة بن عبد اللَّه عن أبيه قال: إن اللَّه ابتعث نبيه (صلى اللَّه عليه و سلم) لا لإدخال رجل الجنة، فدخل النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) كنيسة و إذا يهودي يقرأ التوراة، فلما أتى على صفته أمسك، قال: و في ناحيتها رجل مريض، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): ما لكم أمسكتم؟ فقال المريض: إنهم أتوا على صفة نبي فأمسكوا، ثم جاء المريض يحبو حتى أخذ التوراة و قال: ارفع يدك، فقرأ حتى أتى على صفته، فقال: هذه صفتك و صفة أمتك،