البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٥ - حديث آخر يتضمن اعتراف اليهود بأنه رسول اللَّه و يتضمن تحاكمهم إليه و رجوعهم إلى ما يحكم به و لكن بقصد منهم مذموم
وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ و هكذا دعا على المشركين على وجه المباهلة في قوله قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا و قد بسطنا القول في ذلك عند هذه الآيات في كتابنا التفسير بما فيه كفاية و للَّه الحمد و المنة.
حديث آخر يتضمن اعتراف اليهود بأنه رسول اللَّه و يتضمن تحاكمهم إليه و رجوعهم إلى ما يحكم به و لكن بقصد منهم مذموم
و ذلك أنهم ائتمروا بينهم أنه إن حكم بما يوافق هواهم اتبعوه، و إلا فاحذروا ذلك، و قد ذمهم اللَّه في كتابه العزيز على هذا القصد*
قال عبد اللَّه بن المبارك: ثنا معمر عن الزهري قال: كنت جالسا عند سعيد بن المسيب و عند سعيد رجل و هو يوقره، و إذا هو رجل من مزينة، كان أبوه شهد الحديبيّة و كان من أصحاب أبى هريرة، قال: قال أبو هريرة: كنت جالسا عند رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، إذ جاء نفر من اليهود- و قد زنا رجل منهم و امرأة- فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه نبي بعث بالتخفيف، فان أفتانا حدا دون الرجم فعلناه و احتججنا عند اللَّه حين نلقاه بتصديق نبي من أنبيائه، قال مرة عن الزهري، و إن أمرنا بالرجم عصيناه فقد عصينا اللَّه فيما كتب علينا من الرجم في التوراة، فأتوا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل منا زنا بعد ما أحصن؟ فقام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و لم يرجع إليهم شيئا، و قام معه رجال من المسلمين، حتى أتوا بيت مدراس اليهود فوجدوهم يتدارسون التوراة، فقال لهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): يا معشر اليهود، أنشدكم باللَّه الّذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة من العقوبة على من زنا إذا أحصن؟ قالوا:
نجبيه، و التجبية أن يحملوا اثنين على حمار فيولوا ظهر أحدهما ظهر الآخر، قال: و سكت حبرهم و هو فتى شاب، فلما رآه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) صامتا ألظ به النشدة، فقال حبرهم: أما إذ نشدتهم فانا نجد في التوراة الرجم على من أحصن، قال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): فما أول ما ترخصتم أمر اللَّه عز و جل؟ فقال:
زنى رجل منا ذو قرابة بملك من ملوكنا، فأخر عنه الرجم، فزنى بعده آخر في أسرة من الناس فأراد ذلك الملك أن يرجمه فقام قومه دونه، فقالوا: لا و اللَّه لا نرجمه حتى يرجم فلانا ابن عمه، فاصطلحوا بينهم على هذه العقوبة، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): فانى أحكم بما حكم في التوراة، فأمر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بهما فرجما*
قال الزهري: و بلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا و له شاهد في الصحيح عن ابن عمر، قلت: و قد ذكرنا ما ورد في هذا السياق من الأحاديث عند قوله تعالى يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ يعنى الجلد