البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٥ - حديث آخر
من صنع هذا؟ قالوا: ابن عباس، قال: اللَّهمّ فقهه في الدين*
و روى البيهقي عن الحاكم و غيره عن الأصم عن عباس الدورقي عن الحسن بن موسى الأسيب عن زهير عن عبد اللَّه بن عثمان بن خيثم عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) وضع يده على كتفي- أو قال: منكبى، شك سعيد- ثم قال: اللَّهمّ فقهه في الدين و علمه التأويل،
و قد استجاب اللَّه لرسوله (صلى اللَّه عليه و سلم) هذه الدعوة في ابن عمه، فكان إماما يهتدى بهداه و يقتدى بسناه في علوم الشريعة، و لا سيما في علم التأويل و هو التفسير، فإنه انتهت إليه علوم الصحابة قبله، و ما كان عقله من كلام ابن عمه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)* و قد قال الأعمش عن أبى الضحى عن مسروق قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: لو أن ابن عباس أدرك أسناننا ما عاشره أحد منا، و كان يقول لهم: نعم ترجمان القرآن ابن عباس* هذا و قد تأخرت وفاة ابن عباس عن وفاة عبد اللَّه بن مسعود ببضع و ثلاثين سنة، فما ظنك بما حصله بعده في هذه المدة؟ و قد روينا عن بعض أصحابه أنه قال: خطب الناس ابن عباس في عشية عرفة ففسر لهم سورة البقرة، أو قال سورة، ففسرها تفسيرا لو سمعه الروم و الترك و الديلم لأسلموا، رضى اللَّه عنه و أرضاه.
حديث آخر
ثبت في الصحيح أنه (عليه السلام) دعا لأنس بن مالك بكثرة المال و الولد، فكان كذلك حتى روى الترمذي عن محمود بن غيلان عن أبى داود الطيالسي عن أبى خلدة، قال: قلت لأبى العالية: سمع أنس من النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ فقال: خدمه عشر سنين و دعا له، و كان له بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، و كان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك* و قد روينا في الصحيح أنه ولد له لصلبه قريب من مائة أو ما ينيف عليها، و
في رواية: أنه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال: اللَّهمّ أطل عمره، فعمر مائة،
و قد دعا (صلى اللَّه عليه و سلم) لأم سليم و لأبى طلحة في غابر ليلتهما، فولدت له غلاما سماه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عبد اللَّه، فجاء من صلبه تسعة كلهم قد حفظ القرآن، ثبت ذلك في الصحيح* و ثبت في صحيح مسلّم من حديث عكرمة بن عمار عن أبى كثير العنبري عن أبى هريرة أنه سأل من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن يدعو لأمه فيهديها اللَّه فدعا لها، فذهب أبو هريرة فوجد أمه تغتسل خلف الباب فلما فرغت قالت: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، و أشهد أن محمدا رسول اللَّه، فجعل أبو هريرة يبكى من الفرح، ثم ذهب فأعلم بذلك رسول اللَّه، و سأل منه أن يدعو لهما أن يحببهما اللَّه إلى عباده المؤمنين فدعا لهما، فحصل ذلك. قال أبو هريرة: فليس مؤمن و لا مؤمنة إلا و هو يحبنا، و قد صدق أبو هريرة في ذلك رضى اللَّه عنه و أرضاه، و من تمام هذه الدعوة أن اللَّه شهر ذكره في أيام الجمع حيث يذكره الناس بين يدي خطبة الجمعة، و هذا من التقييض القدري و التقدير المعنوي* و ثبت في الصحيح أنه (عليه السلام)، دعا لسعد بن أبى وقاص و هو مريض فعوفي، و دعا له أن يكون مجاب الدعوة، فقال: اللَّهمّ أجب دعوته، و سدد