البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٥ - قصة أخرى
قالت: اللَّهمّ إني أسلمت لك طوعا، و خالفت الأوثان زهدا، و هاجرت لك رغبة، اللَّهمّ لا تشمت بى عبدة الأوثان، و لا تحملني من هذه المصيبة ما لا طاقة لي بحملها، قال: فو اللَّه ما انقضى كلامها حتى حرك قدميه و ألقى الثوب عن وجهه و عاش حتى قبض اللَّه رسوله (صلى اللَّه عليه و سلم)، و حتى هلكت أمه* قال: ثم جهز عمر بن الخطاب جيشا و استعمل عليهم العلاء بن الحضرميّ، قال أنس: و كنت في غزاته فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد بدروا بنا فعفوا آثار الماء، و الحر شديد، فجهدنا العطش و دوابنا و ذلك يوم الجمعة، فلما مالت الشمس لغروبها صلّى بنا ركعتين ثم مد يده إلى السماء، و ما نرى في السماء شيئا. قال: فو اللَّه ما حط يده حتى بعث اللَّه ريحا و أنشأ سحابا و أفرغت حتى ملأت الغدر و الشعاب، فشربنا و سقينا ركابنا و استقينا، ثم أتينا عدونا و قد جاوزوا خليجا في البحر إلى جزيرة، فوقف على الخليج و قال: يا على، يا عظيم، يا حليم، يا كريم، ثم قال: أجيزوا بسم اللَّه، قال: فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، فلم نلبث إلا يسيرا فأصبنا العدو عليه فقتلنا و أسرنا و سبينا، ثم أتينا الخليج، فقال مثل مقالته، فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، قال: فلم نلبث إلا يسيرا حتى رمى في جنازته، قال:
فحفرنا له و غسلناه و دفناه، فأتى رجل بعد فراغنا من دفنه فقال: من هذا؟ فقلنا: هذا خير البشر، هذا ابن الحضرميّ، فقال: إن هذه الأرض تلفظ الموتى، فلو نقلتموه إلى ميل أو ميلين، إلى أرض تقبل الموتى، فقلنا: ما جزاء صاحبنا أن نعرضه للسباع تأكله، قال: فاجتمعنا على نبشه، فلما وصلنا إلى اللحد إذا صاحبنا ليس فيه، و إذا اللحد مد البصر نور يتلألأ، قال: فأعدنا التراب إلى اللحد ثم ارتحلنا* قال البيهقي (رحمه اللَّه): و قد روى عن أبى هريرة في قصة العلاء بن الحضرميّ في استسقائه و مشيهم على الماء دون قصة الموت بنحو من هذا* و ذكر البخاري في التاريخ لهذه القصة إسنادا آخر، و قد أسنده ابن أبى الدنيا عن أبى كريب عن محمد بن فضيل عن الصلت بن مطر العجليّ عن عبد الملك بن سهم عن سهم بن منجاب قال: غزونا مع العلاء بن الحضرميّ، فذكره.
و قال في الدعاء: يا عليم، يا حليم، يا على، يا عظيم، إنا عبيدك و في سبيلك نقاتل عدوك، اسقنا غيثا نشرب منه و نتوضأ، فإذا تركناه فلا تجعل لأحد فيه نصيبا غيرنا، و قال في البحر: اجعل لنا سبيلا إلى عدوك، و قال في الموت: أخف جثتي و لا تطلع على عورتي أحدا فلم يقدر عليه* و اللَّه أعلم.
قصة أخرى
قال البيهقي: أنا الحسين بن بشران، أنا إسماعيل الصفار، ثنا الحسن بن على بن عثمان، ثنا ابن نمير عن الأعمش عن بعض أصحابه قال: انتهينا إلى دجلة و هي مادة و الأعاجم خلفها، فقال رجل من المسلمين: بسم اللَّه، ثم اقتحم بفرسه فارتفع على الماء، فقال الناس: بسم اللَّه ثم اقتحموا فارتفعوا على الماء فنظر إليهم الأعاجم و قالوا: ديوان ديوان، ثم ذهبوا على وجوههم* قال: فما فقد