مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٢٢٢ - مولد إنسان الكمال
و بعضهم يرى جمال الوجود مقتبسا من ذاك الجمال، و بعض يراه كأن لم يره و تحجبه عن إدراك حقيقته الأنوار الجلاليّة. قال للصّدّيق الأكبر: ما عرفني غير ربّي قطعا لأطماع العقول عن الوصول إلى ذاك المجال. و كان يقابل القوابل بحسب استعداداتها بحكم سرّ القبضتين في البريّة قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ [البقرة: الآية ٦٠] سعة إلهيّة بعدت عن العبارة و الإشارة و المقال. قال صلى اللّه عليه و سلم: «أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم» تنزّلا و رحمة عموميّة. و من كمال سعته صلى اللّه عليه و سلم تطوّر بشريّته بين الخلق حتى يوصف و تضرب له الأمثال.
اللّهمّ صلّ على الفاتح لما أغلق من التعيّنات العينيّة
و الخاتم لما سبق منها في علم ذي الجلال
فمن ذلك ما ورد في شمائل خلقه و خلقه من الآثار العليّة السّنيّة. فقد روي أنه أكمل الناس عقلا و أجملهم خلقا و أحسنهم خلقا و أطولهم يدا في النّوال. عظيم الهامة معتدل القامة مشرب اللون بين الحمرة و الصّفرة ذو جبهة نورانيّة، ليس بالمطهّم و لا بالمكلثم كأنما الشمس تجري في وجهه بالغدوّ و الآصال، أدعج العينين أزجّ الحاجبين، رجل الشّعر ذو وفرة جماليّة، طويل العنق كأنه جيد دمية أو كأنما صيغ من فضّة في الصفاء و الاعتدال، أشعر المنكبين واسع الصّدر له مسربة شعريّة، ضخم الكراديس و بين كتفيه خاتم النّبوّة قدر زرّ الحجال، سبط العصب منهوس العقب سائل الأطراف مفلّج الأسنان الدّرّيّة، أشنبها إذا ضحك رؤي النور يخرج من ثناياه واسع الفم فصيح المقال، و أوتي جوامع الكلم و مجموع الحكم و عرقه كاللؤلؤ و عرفه أزكى من الروائح المسكيّة، مسيح القدمين إذا مشى في الصّخر أثّر فيه و لا أثر لهما في الرّمال مجرّد عن كثافة الحسّ فليس له ظلّ في الشمس كذلك الذّباب لا يقع على ذاته النّوريّة. من رآه بديهة هابه و من خالطه معرفة أحبّه و قدّمه على النفس و الأهل و المال. و كان صلى اللّه عليه و سلم شديد الحياء لا يثبت بصره في وجه أحد، يلاقي الناس بالبشاشة و حسن الطّويّة، و يكرم الدّاخل عليه و يؤثره بالوسادة و يقضي حاجة الكبير و الصّغير من الأطفال، و كان يقول ناعته: لم أر قبله و لا بعده مثله في جميع الخصال المرضيّة. و كيف لا و هو المكمّل و به الكمال و بعث خاتما و متمّما لمكارم الأخلاق في جميع الخصال.
و إلى هنا انتهت بنا سفينة السّبح في لجج هذا البحر الذي لا ساحل له و لا أينيّة، و قصرت بنا خطى المقال في ميدان هذا المجال الذي وقفت دونه عقول فحول الرّجال.