مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٢٢٠ - مولد إنسان الكمال
لأهل الخير و نذيرا لأهل الضلال. و كان بدؤه بالرّؤيا الصالحة الظاهرة مثل فلق الأنوار الصّبحية، و ذلك لسرّ استعداده و تطوّره قبل عالم الحسّ في عالم الخيال. فحبّب إليه الخلاء و كان يتعبّد في حراء محرى نزول الأنوار القدسية. و في سبعة و عشرين من رمضان جاءه الملك فقال له: اقرأ بهيبة و إجلال. فقال: ما أنا بقارئ. فغطّه حتى أجهده مع علمه بمكانته العليّة، ثم قال له: اقرأ. فقال: ما أنا بقارئ. و لم يزل متردّدا من تفصيله إلى الإجمال. ثم قال له: اقرأ. فقال: ما أنا بقارئ. فغطّه غطّة ثالثة و هو محتد العقل الأول من الحقيقة المحمديّة. و فتر الوحي سنين عدد الغطّات ثم نزلت يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) [المدّثّر: الآية ١] بعد إمهال. ثم تتابع الوحي فامن من الرّجال الصّدّيق لاغتنام السّبقيّة، و من الصبيان عليّ بن أبي طالب باب مدينة العلم في الحال و القال، و من النّساء خديجة السابقة لتلقّي المواهب اللدنّية، و ستّة من باقي العشرة المبشّرين و زيد بن حارثة و مؤذّن رسول اللّه بلال.
اللّهمّ صلّ على الفاتح لما أغلق من التعيّنات العينيّة
و الخاتم لما سبق منها في علم ذي الجلال
و لما أراد اللّه إظهار شرفه بآيات الإسراء التي هي وراء أطوار العقول الخلقيّة، تجلّى بأحديّة جمع الجمع و هي طمس النّعوت و متعلّقاتها في سبحات الجلال، فتعيّنت الحقيقة الأحمديّة في مقام قرب أو أدنى بمحو الغيريّة، و تطوّرت البشريّة في مقام قاب قوسي الحقيقة المحمدية على غير مثال. و من ظاهر القصّة أنّه أهبط جبريل و باقي المقرّبين ببراق من الحضرة القدسيّة، فأسروا به ٧ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في زمان لا يقبل التّقسيم بحال. و أمّ هناك الأنبياء و الرّسل و الملائكة الروحانيّة. ثم عرج به إلى السموات فلقي آدم في الأولى متوّجا بالوقار و الكمال، و في الثانية ابني الخالة يحيى و عيسى، اللّذين بينهما مشاكلة ربّانية. و في الثالثة يوسف بن يعقوب صاحب الصّدّيقية و الحسن و الجمال. و في الرابعة إدريس الذي قال اللّه فيه وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (٥٧) [مريم: الآية ٥٧]، و في الخامسة هارون المعروف في الأمّة الإسرائيلية بمحاسن الأخلاق بينهم و شرف الخصال. و في السادسة موسى الذي اصطفاه اللّه برسالاته و بكلامه فكان صاحب الفهوانية. و في السابعة إبراهيم متّكئا على البيت المعمور قائما بكفالة الأطفال، ثم رقى على جناح جبريل إلى سدرة المنتهى برزخيّة انتهاء العلوم الخلقيّة. ثم تدلّى له رفرف الجبروت و زجّ به في حجب الجلال، فقطع سبعين ألف حجاب من نور و ظلمة و سبح في الأنوار اللّاهوتيّة. فدنا من ربّه فكان قاب