مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٢٢١ - مولد إنسان الكمال
قوسين أو أدنى و رآه بعين بصره من غير كيف و لا مثال. و سمع كلامه القديم المنزّه عن الحروف و الأصوات و الجهة و الأينيّة ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى (١٧) [النّجم: الآية ١٧] ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) [النّجم: الآية ١١] كان اللّه و لا شيء معه و هو الآن على ما عليه كان في الأزل. فتلى ترجمان المحبّة بلسان العناية وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) [الضّحى: الآية ٥] هبة إلهيّة. ثم رجع إلى الأكوان و دخل كرّة الزّمان و المكان و هبط إلى مكّة كأن لم يفارقها بحال، و كان تطوّره في قربه و بعده قدر لحظة وقتيّة. و أخبر قريشا بقصّة إسرائه و عروجه فكذّبه أهل الغواية و الضّلال، و صدّقه الصدّيق الأكبر ففاز بمرتبتي الصّحبة و الصّدّيقية و لذا كان سميره في الحضرة و خليفته على الأمّة و ضجيعه بعد الانتقال.
اللّهمّ صلّ على الفاتح لما أغلق من التعيّنات العينيّة
و الخاتم لما سبق منها في علم ذي الجلال
و كانت إقامته بمكّة ثلاث عشرة سنة يبلّغ الرّسالة و يعرض نفسه على الوفود الحرميّة، و في هذه المدة قاسى ما قاسى من أذيّة مشركي مكّة و الطائف حتى خضبت رجلاه و نزل الدّم في نعله و سال. ثم أذن اللّه له في الهجرة إلى المدينة المنوّرة بأنواره السّنيّة، فتلقّاه أنصار اللّه بالمحبّة و السمع و الطّاعة و إعلاء كلمة اللّه بالقتال. فأقام بها عشر سنين يعضّد الدّين بالرّفق و العنف و الغزو و السّريّة، حتى اتّسع الإسلام و أذعنت ملوك فارس و الرّوم لهيبته بلا ريب و لا إشكال، ثم حجّ حجّة الوداع و تلى في الخطبة:
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: الآية ٣] يا معشر الأمّة المحمديّة، ثم رجع إلى المدينة و انتقل منها إلى الرفيق الأعلى الذي لم يغب عنه بل يتطوّر فيه بحسب مظاهر الكمال.
اللّهمّ صلّ على الفاتح لما أغلق من التعيّنات العينيّة
و الخاتم لما سبق منها في علم ذي الجلال
و كان صلى اللّه عليه و سلم أكمل الناس تحقّقا و تخلّقا بالأخلاق الإلهيّة، فكان خلقه القرآن ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: الآية ٣٨]، وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ [يس: الآية ١٢] من تجلّيات الكمال. و من سعته صلى اللّه عليه و سلم تفاوت الأبصار و البصائر في شهود بشريّته كما انتهت المعارف إلى الحقيقة المحمدية. و لذا كان بعض الناس يراه أجمل الخلق