مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٢١٨ - مولد إنسان الكمال
حوله الملائكة في صورة الرّجال، و سمع قائل يقول: خذوه و احجبوه عن إدراك الأعين الحسّية. و بعد ذلك قيل: أين ذهبتم به، فقال: إلى مشارق الأرض و مغاربها أسرع من خطرة بال، و حفظت السماء من استراق السمع و نزلت إليه سرجها الكوكبيّة، و انصدع إيوان كسرى و سقطت منه أربع عشرة شرفة في الحال، و خمدت نار الفرس و غاضت بحيرة طبريّة، و فاض وادي سماوة بالمياه العذبة و سال.
اللّهمّ صلّ على الفاتح لما أغلق من التعيّنات العينيّة
و الخاتم لما سبق منها في علم ذي الجلال
و خرج معه نور أضاء منه الأفق حتى رأت أهل البطحاء القصور الشاميّة و القيصرية، و استدعت أمه جدّه عبد المطلب من الطّواف فحضر باستعجال، و وجد رجلا بالباب فقال له: قف حتى تتم زيارة الملائكة النّورانية، و بعد حين دخل عليه فلما رآه سرّه و بلغ به منتهى الآمال، ثم أخذه و دخل به الكعبة و قام داعيا بالدّعوات الخيرية، ثم رجع به صلى اللّه عليه و سلم فإذا بمناد من حضرة الكبير المتعال قائلا: معاشر الخلائق هذا صفيّي محمد بن عبد اللّه صفوة البريّة، طوبى لثدي أرضعه و لعبد كفله فاحترام و إجلال.
فتزاحمت عليه حينئذ السّحب و الطيور و الملائكة الروحانية، و طلب كلّ كفالته و رضاعه حتى يجاوز سنّ الأطفال، ثم فاز برضاعه و كفالته الأشخاص الإنسيّة، فظهرت مزيّة بني آدم كما ظهرت بظهورهم على شكله في المثال.
اللّهمّ صلّ على الفاتح لما أغلق من التعيّنات العينيّة
و الخاتم لما سبق منها في علم ذي الجلال
ثم بعد أن أرضعته أمّه أرضعته ثويبة الأسلميّة التي أعتقها أبو لهب حين بشّرته به قبل النساء و الرجال، ثم ساقت يد اليمن و السّعد إليه حليمة السّعديّة، فوضعت يدها على صدره فتبسّم و صعد منه نور شقّ أرجاء السماء في الحال. فرفعته و ناولته ثديها الأيمن و قبله لم يكن فيه ما يغذّي ابنها بالكلّيّة. فدرّ في الحال فأرواه ثم حوّلته إلى ثديها الشّمال، فأعرض عنه و تركه لأخيه عدلا و إنصافا من نشأته الرّحموتية، و كان معها زوجها و معهما شاة لا تبضّ بقطرة لبن من شدّة الجهد و الهزال فحلبوها فأروتهم و ذلك من إرهاصاته الجليّة فرجعت به إلى أهلها بغبطة و سرور و احتفال، و أذن اللّه للأرض أن