التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٤ - شرط الأخذ بالسياق
توضيحا و ما شاكل. كما في قوله تعالى: فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى- وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى- وَ إِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ[١]. فإنّ الجملة المعترضة هنا، كانت لإيفاد معنى التحسّر في كلامها، و أنّها لم ترد الإخبار. إذ لا موضع لتحسّرها بعد أن كانت الأنثى التي منحت بها، هي أفضل من الذكر الذي كان بحسبانها.
إذن فليست الجمل المعترضة اعتباطا في الكلام، لا رابط بينها و بين مكتنفاتها.
و عليه فلو قلنا بأنّ هذه الآيات الأربع- من سورة القيامة- سياقها سياق الآية من سورة طه، في النهي عن العجلة بالقرآن من قبل أن يقضى إليه وحيه. فلا بدّ أن نلتزم بأنّها أقحمت هنا إقحاما و من غير ترابط بينها و بين مكتنفاتها. إذ السورة في سياقها بعد هذه الآيات الأربع تعود إلى سياقها الأوّل تماما.
فضلا عن عدم تناسب استعمال لفظة «كلّا» مرّتين بعد هنّ.
و من غريب الأمر: أنّ الزمخشري- على جلالته و اعتلاء مقامه الأدبي و العلمي- يجعل «كلّا»- الأولى- ردعا للرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن عادة العجلة و إنكارا لها عليه!
هذا و لا سيّما مع قوله: بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ. وَ تَذَرُونَ الْآخِرَةَ[٢] تذييلا لكلّا!
قال: فإن قلت: كيف اتّصل قوله لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ بذكر القيامة؟ قلت: اتّصاله به من جهة هذا، للتخلّص منه إلى التوبيخ بحبّ العاجلة و ترك الاهتمام بالآخرة[٣]. تعليل أغرب!!
و نقل الإمام الرازي عن القفّال[٤]: أنّ قوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ ليس خطابا مع الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بل خطاب مع الإنسان المذكور في قوله: يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَ أَخَّرَ[٥]، فكان ذلك للإنسان حال ما ينبّأ بقبائح أفعاله، و ذلك بأن يعرض عليه كتابه فيقال له: اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً[٦]. فإذا أخذ في القراءة تلجلج لسانه من شدّة الخوف و سرعة القراءة، فيقال له: لا تُحَرِّكْ بِهِ
[١] آل عمران ٣: ٣٦.
[٢] القيامة ٧٥: ٢٠- ٢١.
[٣] الكشّاف ٤: ٦٦٢.
[٤] هو: أبو بكر عبد اللّه بن أحمد بن عبد اللّه، المعروف بالقفّال المروزي، الفقيه الشافعي، كان وحيد زمانه فقها و حفظا، له في مذهب الإمام الشافعي من الآثار ما ليس لغيره من أبناء عصره. و تخاريجه كلّها جيّدة و إلزاماته مقبولة. تتلمّذ على يديه جماعة من أكابر العلماء، منهم الشيخ أبو محمّد الجويني والد إمام الحرمين. توفّي سنة ٤١٧ و قد بلغ التسعين.( ابن خلكان ٣: ٤٦/ ٣٣١).
[٥] القيامة ٧٥: ١٣.
[٦] الإسراء ١٧: ١٤.