التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٤ - تفسير البسملة
قلت: احتمال كون «الرحمن» عبريّة أو سريانيّة، جزاف من القول لا يقوله سوى تائه في خيال. أمّا الشعر الذي استند إليه هذا القائل فمحرّف في أصله، قال صاحب التكملة: هكذا أنشده هذا القائل، لكنّ فيه تغييرا من جهات: الأولى: أنّ في البيتين تقديما و تأخيرا. و الثانية: أنّ «رخمان» بالخاء المعجمة، موضع في ديار هذيل، عنده قتل تأبّط شرّا، فقالت أمّه أو أخته ترثيه:
|
نعم الفتى غادرتم برخمان |
من ثابت بن جابر بن سفيان |
|
|
يجدّل القرن و يروى النّدمان |
ذو مأقط يحمي وراء الإخوان[١] |
|
قال محمّد مرتضى الزبيدي: رخمان، غار ببلاد هذيل، رمي فيه تأبّط شرّا بعد قتله[٢]. قال:
و به روي شعر جرير: و مسحكم صلبهم رخمان قربانا[٣].
قال صاحب التكملة: فإذن لا مدخل له في هذا التركيب[٤].
و الثالثة: أنّ الرواية- على ما جاء في ديوانه بجمع الصاوي-:
|
هل تتركنّ إلى القسّين هجرتكم |
و مسحهم صلبهم رحمان قربانا |
|
|
لن تدركوا المجد أو تشروا عباءكم |
بالخزّ أو تجعلوا التنّوم ضمرانا[٥] |
|
فجاء الضبط «رحمان»- بضم الراء- على وزان غفران و كفران، مصدرا.
و على أيّ تقدير، فلو فرض: أنّه أراد الرّحمن، اسما له تعالى، فلا دليل على أنّها لفظة عبرانيّة أو سريانيّة، لمجرّد أنّ المخاطب المهجوّ بها- و هو غياث بن غوث الأخطل التغلبي- كان نصرانيّا! لأنّه شاعر عربيّ مجيد و مقرّب لدى خلفاء بني اميّة و كان يجيد المدح و القريض و قرّبه عبد الملك إليه لحسن قريضه. و جاء في القصيدة الكثير من أسماء اللّه تعالى و مصطلحات إسلاميّة عربيّة عريقة، و لا مساس لها بلغات الأجانب؛ كلّ ذلك لأنّ المخاطب عربي صميم و إن كان على غير دين الإسلام. و يقال: إنّه أسلم على يد عبد الملك.
[١] معجم البلدان ٣: ٣٨.
[٢] تاج العروس ٨: ٣٠٨.
[٣] المصدر: ٣٠٩.
[٤] هامش تاج العروس ٨: ٣٠٧.
[٥] ديوان جرير- تأليف محمّد إسماعيل عبد اللّه الصاوي. الكتاب الكامل( مكتبة محمّد حسين النوري- دمشق) و( الشركة اللبنانيّة للكتاب- بيروت).