التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٠ - تفسير اهدنا الصراط المستقيم
و المقرّبين، و يلحق بالملإ الأعلى و السابقين، إن ساعده التوفيق، و كان من الكاملين. أو بأصحاب اليمين، إن كان من المتوسّطين، أو يحشر مع الشياطين و أصحاب الشمال، إن ولّاه الشيطان و قارنه الخذلان في المآل.
و هذا معنى الصراط المستقيم، منه ما إذا سلكه أوصله الجنّة، و هو ما يشتمل عليه الشرع، كما قال اللّه عزّ و جلّ: وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، صراط اللّه و هو صراط التوحيد و المعرفة و التوسّط بين الأضداد في الأخلاق، و التزام صوالح الأعمال.
و بالجملة: صورة الهدى الذي أنشأه المؤمن لنفسه ما دام في دار الدنيا، مقتديا فيه بهدى إمامه، و هو أدقّ من الشعر و أحدّ من السيف في المعنى، مظلم لا يهتدى إليه إلّا من جعل اللّه له نورا يمشي به في الناس، يسعى الناس على قدر أنوارهم ...[١].
و بعد تلكم الأحاديث المتظافرة و التي رواها الفريقان بإجماع:
[١/ ٥٦٨] روى عبد بن حميد و ابن عساكر من طريق عاصم الأحول[٢] عن أبي العالية في قوله صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قال: هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و صاحباه من بعده. قال: فذكرنا ذلك للحسن، فقال:
صدق ...[٣].
[١/ ٥٦٩] و لعلّ الأصل هو ما رواه المفسّرون و رواه الطبراني بإسناده إلى الأعمش عن أبي وائل عن عبد اللّه بن مسعود قال: الصراط المستقيم، الذي تركنا عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم[٤]. مرادا به النبيّ الأعظم و من جرى على منهجه و شريعته من صحابته الأخيار و التابعين لهم بإحسان.
قال أبو جعفر الطبري: و الذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي- أعني: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ- أن يكون معنيّا به: وفّقنا للثبات على ما ارتضيته و وفّقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول و عمل، و ذلك هو الصراط المستقيم. لأنّ من وفّق لما وفّق له من أنعم اللّه عليه من النبيّين
[١] الصافي ١: ١٢٧.
[٢] هو ابن سليمان البصري، مولى عثمان و يقال: آل زياد. كان يتولّى الولايات، فكان بالكوفة على الحسبة في المكاييل و الأوزان و كان قاضيا بالمدائن لأبي جعفر. و كان يحيى بن سعيد قليل الميل إليه. و قال ابن إدريس: رأيته أتى السوق فقال: اضربوا هذا، أقيموا هذا، فلا أروي عنه شيئا. و تركه وهيب، لأنّه أنكر بعض سيرته. قال عليّ بن المديني عن القطّان: لم يكن بالحافظ.( تهذيب التهذيب ٥: ٤٣/ ٧٣).
[٣] الدرّ ١: ٣٩- ٤٠؛ ابن عساكر ٤٤: ٢٥٩؛ ابن أبي حاتم ١: ٣٠/ ٣٤؛ الحاكم ٢: ٢٥٩.
[٤] راجع: ابن كثير ١: ٣٠؛ الكبير ١٠: ٢٠٠/ ١٠٤٥٤.