التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٢ - السياق في القرآن
اقتنصه من السياق[١].
نعم، السّياق قد يغيّر المعنى عن أصله اللغويّ، إن إفراديّا أو جمليّا، حيث الألفاظ عند التركيب تتغيّر أوجه معانيها عمّا كانت في حالة الإفراد. و هذا معنى قول الأصوليين: إنّ للجمل التركيبيّة أوضاعا تخصّها، فيما عدا أوضاع المفردات. فإنّ للهيئات التركيبيّة أيضا أوضاعا إلى جنب أوضاع مفردات الكلم.
يقول محمّد رشيد رضا: على المدقّق أن يفسّر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر نزوله. و الأحسن أن يفهم اللفظ من القرآن نفسه، بأن يجمع ما تكرّر في مواضع منه، و ينظر فيه، فربما استعمل بمعان مختلفة كلفظ «الهداية» و غيره. و يحقّق كيف يتّفق معناه مع جملة معنى الآية، فيعرف المعنى المطلوب من بين معانيه. و قد قالوا: إنّ القرآن يفسّر بعضه ببعض، و إنّ أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ، موافقته لما سيق له من القول، و اتفاقه مع جملة المعنى و ائتلافه مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته.[٢]
*** أمّا مستند حجّية السياق، فهو ذاك الترابط الوثيق، القائم بين أجزاء الكلام، و المهيمن على الجوّ الذي تسير في ظلاله كوكبة الكلام، الأمر الّذي يتحقق بجلاء فيما إذا كان الكلام مترابطا أجزاؤه في وحدة موضوعيّة متلائمة، لا إذا كان منتثرا أشلاؤه، مبعثرا هنا و هناك لا رابط بينها وثيقا.
و قد قالوا: للمتكلّم أن يلحق بكلامه ما شاء، ما دام متكلّما أي ما شاء من قرائن و دلائل حافّة بكلامه تعيّن اتّجاه مسيرته. أمّا إذا انقطع عن الكلام، فقد تمّت دلالته، و ليس له أن يأتي بعد ذلك من تفاسير منافية لظاهر التعبير حسبما قرّر في الدعاوي و الأقارير.
و عليه فما وجه حجّيّة دلالة السياق في القرآن، و قد نزل أجزاء متفرّقة و في مناسبات مختلفة؟!
نعم يتحقّق السياق في آية أو آيات نزلن معا، و ليس في جميع الآيات و هنّ نزلن في مقاطع أثناء السور!!
هذا صحيح، فلا سياق إلّا في كلّ مجموعة من تلك المقاطع، لا مجموعة آيات السورة، فكيف
[١] المصدر ٢: ١٧٢، النوع ٤١، فيما يجب على المفسّر معرفته.
[٢] المنار ١: ٢٢.