التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٧ - ما قيل في حل تلك الرموز
و في كلام العرب شواهد على الرمز بالحروف، و ليس بالأمر الغريب. قال الشاعر[١]:
|
قلنا لها: قفي لنا، قالت: قاف |
لا تحسبي أنّا نسينا الإيجاف |
|
فقد أرادت بقولها: قاف «قد وقفت» فأشارت إليه رمزا بإظهار حرف القاف كناية عن تمام الكلمة. و كذا رمزوا عن النحاس بحرف «ص»، و عن النقد بحرف «ع»، و عن السحاب بحرف «غ».
و هكذا سمّوا بالحروف أشياء، منها جبل قاف، و الحوت نونا. و قد يسمّون الأعلام بها أيضا، كما سمّوا والد حارثة «لام» فقالوا: حارثة بن لام.
و ممّا يشهد لذلك أيضا نقصهم الكلمة حروفا ليكون الباقي دلالة عليه، كما في الترخيم، في مثل «يا حار» بحذف «الثاء». و «يا مال» بحذف «الكاف»: و كقول راجزهم:
|
ما للظليم عال كيف لا يا |
ينقد عنه جلده إذا يا |
|
و أراد بالياء ياء المضارعة، رمزا إلى قوله: يفعل. أي «لا يفعل» و «إذا يفعل».
و قال الآخر:
|
بالخير خيرا «تا» و إن شرّا «فا» |
و لا اريد الشرّ إلّا أن «تا» |
|
فالتاء إشارة إلى قول «تشاء» و بالفاء فاء الجزاء. و المعنى:
|
بالخير خيرا تشاء و إن شرّا فشرّا |
و لا اريد الشرّ إلّا أن تشاء |
|
قال أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري: و الشواهد على ذلك كثيرة يطول باستيعابها الكتاب[٢].
ما قيل في حلّ تلك الرموز
قيل: إنها بحساب الأبجد. و أول من تنبّه لذلك يهود المدينة، على حياته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ذلك:
[م/ ١٩٣] لمّا نزلت السورة الكبرى «البقرة» بالمدينة مفتتحة بقوله تعالى: الم جاءت جماعة من أحبارهم- قيل: هم حيّي بن أخطب و أبو ياسر بن أخطب و نفر آخرون- إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقالوا: ما علمنا نبيّا أخبر امّته بمدّة ملكهم بأقلّ ممّا أخبرتهم به. و هي إحدى و سبعون سنة، على
[١] في تفسير الخازن ١: ٢٣ نسبه إلى الراجز، و هو الأغلب بن عمرو العجلي من الشعراء المخضرمين المعمّرين. مات في وقعة نهاوند في جملة من توجّه من الكوفة مع سعد سنة ٢١. و هو أول من رجز الأراجيز الطوال. و من ثمّ سمّي بالراجز. و الإيجاف: الإسراع في السير.
[٢] الطبري ١: ٥٣.